يقول الامام علي بن ابي طالب كرم الله وجهه:«الحق أوسع الاشياء في التواصف وأضيقها في التناصف». وبالفعل فانه من السهل كثيرا على المرء، لا سيما اذا كان من رجال السياسة او اللاعبين المحترفين في الشأن السياسي، ان يقول ويخطب ويشرح بأجمل الكلمات وأروعها ميزات الموقف الحق وأوصافه، ولكن حين تحين ساعة المحاسبة الفعلية وطبقا للنتائج العملية التي رسمتها افعال هؤلاء الساسة واللاعبين في ساحة اقدار الشعوب، يتضاءل الانصاف الى ادنى درجة يمكن تصورها سواء في تقييم الآخر او في تقييم النفس، وفي كل الأحوال في ترسيم الموقف الحق!! والساحة العراقية مثال صارخ في هذه الايام على ما نقول. ولأن الموضوع سبق ان ناقشته على صفحات «البيان» قبل نحو اسبوعين، فانني اختصر بكثافة ما قلته آنذاك لانتقل الى الجزء الجديد من معالجة هذا الملف الخطير. لقد قلت باختصار شديد ان شبهة الاستعانة بالاجنبي او الاستقواء به على الداخل تحيط بفضاءات عمل انواع المعارضة العراقية، الى درجة تجعل من ابناء هذه المعارضة مطية بيد اهواء ومخططات هذا الاجنبي، وتحديدا الولايات المتحدة عن تغيير النظام العراقي في هذه اللحظة التاريخية بأي ثمن كان! وان التغيير المنشود اميركيا في العراق انما يعمل له اميركيا في سياق اكمال الطوق على ايران وضرب السعودية بحجة رعايتها للتطرف والارهاب! والأخطر من هذا وذاك في سياق واطار تصفية القضية الفلسطينية، وكل ذلك بهدف التمكن والسيطرة على مطابخ صناعة القرار المحلية. ما سمعناه وقرأناه ـ خلال الايام الماضية ـ من تقارير صادرة عن البنتاغون حول السعودية واخرى من الكونغرس عن ايران وسيناريو ضربها اولا تمهيدا وتسهيلا لانجاز الضربة ضد العراق، وكذلك تصاعد حمية الاميركيين في الدفاع عن اسرائيل الى درجة اعلان الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون بأنه لو حصل هجوم عراقي او ايراني ضد هذا الكيان فانه «يتشرف»! بحمل البندقية والقتال الى جانب القوات الاسرائيلية والموت في سبيل اسرائيل! انما يؤكد صحة ما ذهبنا اليه. من هنا فانني اجد لزاما عليّ مخاطبة ابناء المعارضة العراقية مجددا لأقول لهم، لا سيما بعد ردود الفعل الغاضبة المتفاوتة التي وصلت الى اسماعي من هنا وهناك، ما يلي: أولا: اذا كان الله سبحانه وتعالى سيحاسب الانسان يوم القيامة على النوايا كما هو معروف، فان عباد الله لا سيما العقل الجمعي للشعوب والامم لا ولن يحاسبوا يوما الا بناء على نتائج أعمالنا وما تتركه من اثار وتداعيات فعلية على الارض، ولن يرحم أحدا بسبب نواياه الحسنة والطبية سياسيا، مهما كان تاريخه مجيدا ووضاء! ثانيا: لا يختلف اثنان في الوطن العربي الكبير بأن ما آلت اليه حالة العراق العامة والوضع المأساوي الذي يعيشه الشعب العراقي والتداعيات السلبية الحادة المنعكسة اقليميا على شعوب ودول المنطقة، انما هو بسبب سياسة الاستبداد والدكتاتورية التي انتهجها النظام العراقي الحالي نحو الداخل ولا يزال وسياسة الحروب العبثية التي مارسها هذا النظام نحو جيرانه. ثالثا: غير ان ذلك لا ولن يعفي المعارضة العراقية من مسئوليتها التاريخية ومساهمتها بوعي او بدون وعي فيما وصلت اليه الحالة العامة في العراق بسبب اخطائها الاستراتيجية القاتلة، واخرها الوقوع في فخ التحالف او الائتلاف او التنسيق او حتى التشاور المحض! مع الاجنبي وتحديدا مع الادارتين الاميركية والبريطانية، من اجل احداث التغيير في بلادها. رابعا: ان من يريد قيادة شعب بأسره، وليس حزب سياسي او فئة دينية او حتى تحالف احزاب، ويريد انقاذه وتخليصه من طاغية يتحكم به في ظل تحول ملف بلاده الى ملف دولي معقد ومتشابك، لا يلجأ الى تشكيل فرقة او فرق عسكرية الا في حالتين، اما لتحرير بلاده من ربقة احتلال اجنبي تعرضت له البلاد بسبب سياسات ذلك الطاغية، او لنيل حقوق اقلية دينية أو قومية مستباحة يعتقد ان جزءا من ذلك الشعب ينبغي ان يستعيدها لتستعيد البلاد عافيتها ووحدتها ووفاقها، وهو في الحالة الاولى عامل توحيد لا محالة، فيما هو في الحالة الثانية مشروع محاط دوما وأبدا باخطار نشوب حرب اهلية لا هوادة فيها ايا تكن حسن النوايا، لا سيما في ظل تداخل الملف الداخلي بالملفات الاقليمية والدولية بشكل يصعب فكاكها. خامسا: في ظل هذه الصورة المعقدة والمتشابكة لملف دولة العراق العربية الاسلامية الاستراتيجية الموقع والدور، ليس المتوقع من المعارضة بكافة اشكالها واطيافها وتلاوينها البقاء كما كانت عليه دوما في شرح مواقفها او ممارسة معارضتها، وكأنها تعيش في جزيرة خاصة اسمها المصالح الوطنية العراقية القطرية او الائتلاف مع القوى الدولية المتخاصمة مع العراق كقطر عضو في مجموعة الدول العربية والاسلامية وليس خصما له بسبب طغيانه على شعبه. بل المطلوب والمتوقع منها ان تحدث تحولا استراتيجيا في اسلوبها ونهجها وسياساتها، واضعة ثقلها الى جانب شعوب المنطقة الاخرى لا سيما القضية المركزية موضع الصراع الاكثر الحاحا ودموية، فتجيش جيوشها وفرقها الاستشهادية وتستنفر جهودها الاعلامية والدعائية لقيادة الشارع العراقي في الداخل والخارج ضد العدو المركزي. وعندها فقط يمكن ان تنافس الطاغية وتتغلب عليه في قيادة الشعب وتحدث نقلة نوعية في الملف العراقي. وما عدا ذلك لن يكون سوى مساهمة اضافية في تدويل ملف بلادها او تسهيل مهمة القضاء على ما تبقى من مقومات الصمود لدى الشعب والقطر والدولة والكيان او الوطن. سادسا: كلمة اخيرة اقولها لعلماء ديننا الشرفاء والمخلصين في كل اقطار الوطن العربي والاسلامي ومنهم ابناء العراق: ابقوا على صفحتكم التاريخية بيضاء ناصعة كما هي دوما، وابقوا شوكة في حلق الاجنبي، ولا تشرعوا لبدعة التنسيق او الائتلاف او التحالف مع الاجنبي ومخابراته التي تستدعي رجالاتكم حتى بحجة توضيح المواقف. ـ امين عام منتدى الحوار العربي الايراني