هل من المنتظر فعلا ان تتضامن الدول العربية ـ او غالبيتها على الاقل ـ مع العراق اذا وقعت الواقعة؟ لقد ظلت غالبية الحكومات العربية تصدر خلال الشهور الاخيرة تصريحات وبيانات قوية اللهجة تسجل فيها بأوضح الكلمات موقف معارضة صريحة لأي هجوم عسكري اميركي ضد العراق الشقيق، مع تأكيد كل دولة من هذه الدول انها في كل الاحوال لن تشارك في حملة كهذه اذا وقع الاعتداء الاميركي فعلا. لكن هكذا ايضا كان موقف الحكومات العربية عندما كانت الولايات المتحدة منهمكة أواخر العام الماضي في حشد اساطيلها الجوية والبحرية استعدادا لغزو افغانستان. ونذكر انه بمجرد ان دشنت واشنطن هجومها الكاسح بحرب جوية، اخذت العواصم العربية تصدر بيانات تأييد للحملة الاميركية تحت مبرر المساهمة في الحملة العالمية «لمكافحة الارهاب». ونذكر ان قادة الدول العربية كانوا يؤكدون لشعوبهم وللعالم خلال مرحلة العد العكسي لبدء الهجوم الاميركي على افغانستان ان دولهم لن تشارك في الهجوم، ما لم تتلق من الطرف الاميركي ادلة ملموسة ـ لا مجرد شبهات واتهامات ـ تثبت ان تنظيم «القاعدة» بزعامة ابن لادن هو فعلا الجهة المسئولة عن تدبير وتنفيذ حادثة تفجير مركز التجارة العالمي في نيويورك ومبنى وزارة الدفاع في واشنطن. ومع ذلك شاركت الدول العربية في الحرب عندما اندلعت مكتفية بمذكرة من اعداد الادارة الاميركية لا تحمل ادلة بالمعنى القانوني بقدر ما كانت تحمل روايات ملفقة. واتخذت هذه المشاركة العربية اشكالا متنوعة من بينها الدعم الدبلوماسي والدعم اللوجستي والمساعدات الاستخباراتية واجراءات امنية. لن تستعيد الدول العربية مصداقيتها اذن امام شعوبها وشعوب العالم، الا اذا دعمت تصريحاتها وبياناتها بشأن العراق بتحرك ملموس مقنع يستبق الضربة الاميركية المرتقبة بغرض اجهاضها سلفا. ان من الملاحظ ان الولايات المتحدة «اختطفت» قضية العراق من اروقة مجلس الامن الدولي لتنفرد بمعالجتها بنفسها وبطريقتها الخاصة، لأنها تعلم ان ما تعتزم القيام به يتعارض رأسيا ليس مع القانون الدولي فحسب، بل ايضا مع قرارات مجلس الامن الدولي بشأن العراق. والمطلوب من مجموعة الدول العربية ـ والمتاح لها في الوقت نفسه ـ هو رد القضية الى الاسرة الدولية.. وسوف تلقى ان فعلت ذلك ترحيبا فوريا من قوى دولية اخرى تعارض مقدما اي عمل عسكري اميركي ضد العراق.. وهي فرنسا وروسيا والصين وألمانيا وايطاليا. هذه القوى الدولية لن تتحرك من تلقاء نفسها بصورة فاعلة، الا اذا رأت العرب انفسهم يتقدمون موكب الاحتجاج الدولي ضد الولايات المتحدة. ان الذريعة الرئيسية التي تتعلل بها ادارة بوش لضرب العراق هي ان بغداد «تمتلك» مخزونات من اسلحة الدمار الشامل بأنواعها مما «يهدد المنطقة»، ونذكر في هذا الصدد ان الحكومة العراقية تقدمت باقتراح الى مجلس الامن الدولي يقضي بإخلاء منطقة الشرق الاوسط برمتها من هذه الاسلحةبما في ذلك اسرائيل. والمطلوب من الدول العربية ليس سوى دعم هذا الاقتراح العراقي بغرض فضح الذريعة الاميركية ومن ثم احباطها. وصفوة القول ان الشعوب العربية تنتظر من حكوماتها ان تبريء ذمتها بالفعل ـ لا مجرد القول.