في تصميمها لمؤتمر مدريد 1991، حرصت الدبلوماسية الأميركية بإشراف وزير الخارجية جيمس بيكر على الاحتفاظ لواشنطن بدور الراعي والمهندس الأساسي لمسار عملية تسوية الصراع الإسرائيلي العربي. واشنطن هي التي تولت ترتيب المؤتمر من الألف إلى الياء، الدعوات والمدعوين والمكان والزمان وجدول الأعمال، وهي التي قدمت بعض الضمانات لمن أرادها حتى وإن انطوت رسائلها بهذا الخصوص على مواقف ووعود متعارضة للأطراف المعنية. وكانت في هذا كله محفوزة بمفهوم المؤتمر الدولي الشكل غير الفاعل، واستخدام المناسبة لتأكيد انفرادها بتصفيف مستقبل «الشرق الأوسط» وفقا لمصالحها العالمية بعد غياب المعسكر الاشتراكي وحلولها على قمة النظام الدولي بلا منازع. نتيجة لهذه الحيثيات، فقد تأبط الكثيرون شرا تجاه مستقبل المؤتمر، وكنا ضمن هذا الفريق، ومبرر ذلك أن الولايات المتحدة لا تصلح لدور الوساطة المنفردة في صراع تكاد تكون طرفا مباشرا فيه بسبب انحيازها لإسرائيل. مرور الوقت وتطورات الاحداث أكدت صحة هذا التحفظ وأدى ذلك لاحقا إلى تصاعد الدعوة لتصحيح خلل الوساطة عبر السماح لأطراف دولية أخرى بالدخول والانغماس أكثر في مهمة التسوية. وبين المقترحات التي راجت بهذا الشأن، ضرورة الدعوة إلى مدريد 2، الذي يتعين عليه النظر في تعددية أدوار الأطراف الثالثة. والحق أن دولا أوروبية، كإيطاليا وأسبانيا واليونان تحمست لهذا المقترح. وراحت تتلمس السبل لاستقطاب مناصرين له وتطبيقه عمليا. ولم تحفل عواصم هذه الدول بالشكل الذي يمكن به إجراء هذه النقلة النوعية، حتى أن بعضها رشح مدنا أوروبية أخرى غير مدريد لاستضافة المؤتمر في ثوبه الجديد، وفي صيف العام الماضي بدا أن واشنطن أميل إلى هذه الفكرة أو أنها لا تعارضها من حيث المبدأ، كونها سوف تساعد إدارة جورج بوش الابن على تغطية استنكافها تجاه عملية التسوية وملء الفراغ الذي تخلفه سياساتها الإنكماشية. أحداث سبتمبر المباغتة قلبت هذه الحسابات تماما، وغيرت مسار الأحداث، بحيث خبت فكرة المؤتمر الدولي الفاعل أو غير الفاعل، وانشغل عنها أصحابها الأوروبيون بحالة الطوارئ التي أعلنتها واشنطن واستنفارها ضد ما يدعى بالإرهاب الدولي وما ترتب على ذلك من تداعيات شرق أوسطيا ودوليا، لكن بعض هذه التداعيات ذاتها أعادت الاعتبار مجددا لتلك الفكرة وإن جاءت هذه المرة في أثواب أخرى يمكن وصفها بالغموض والفضفاضية. فمن قائل بمؤتمر إقليمي محدود، إلى قائل بمؤتمر إقليمي موسع إلى مقترح بإحياء صيغة مدريد بعد بعض التعديلات، إلى راغب في فرض رؤية دولية عامة للتسوية لا يعرف كيف يمكن الوصول إليها. وفي تقديرنا أن ما يجمع بين هذه الاطروحات قناعتها باستحالة التسوية على جميع مساراتها تأسيسا على الصيغ السابقة مثل مدريد وأوسلو، وحتمية التدخل والوساطة الخارجية، وأهم من ذلك، أن تكون الولايات المتحدة في قلب هذه الحتمية. هذه الخاصية الأخيرة تنفي عن أية آلية تأخذها المداخلة الدولية على خط التسوية إمكانية الخروج من عباءة صيغة مدريد، طالما أن تعديلا جوهريا لم يطرأ على المفهوم الأميركي للوساطة. والواضح حتى اشعار آخر أن هذا التعديل ليس بوارد الحدوث، فالولايات المتحدة تقوم بعمليات إحماء وتسخين أو تسكين وتبريد لدولاب التسوية وفقا لرؤاها وعلى هدي مصالحها ومصالح حليفها الإسرائيلي.. لا أكثر. وكل آلية يستشرف منها الإنحراف عن هذه المقاربة محكوم عليها بالفشل، ولا تمثل ما تعرف الآن» الرباعية «استثناء» في هذا الإطار. ليس ثمة فلسفة محددة تعمل وفقها هذه الرباعية (أي الوساطة في عملية التسوية من قبل الولايات المتحدة وروسيا والاتحاد الأوروبي والأمم المتحدة). ونظرا لغياب هذه الفلسفة ـ المرجعية إن شاء البعض ـ ونظرا لقناعة أطرافها غير الأميركيين، بمحورية وأولوية المداخلة الأميركية، فإن واشنطن تبدو قادرة على حشو جهود هذه الآلية المستحدثة وتوجيه أنشطتها كيفما شاءت. بعبارات أخرى، لا يوجد دليل معتبر على أن الرباعية التي هبطت على مسار التسوية بلا سلطان واضح، جاءت كي تحل «إشكالية الانفراد الأميركي» بالوساطة.. بينما هناك دلائل على أن هذه الآلية بوسعها التغطية على هذه الإشكالية من ناحية، وتحميل أوزارها وأوزار التحيز الأميركي لإسرائيل عموما على المشاركين فيها من ناحية أخرى. ومن ذلك مثلا إشارة وزير الخارجية الروسي إيغور إيفانوف بأن البيان الختامي الصادر عن إجتماع الرباعية الأخيرة «قد صاغه الأميركيون بنسبة 90 في المئة».. الرباعية إذا لا تبشر بتحول واشنطن إلى الإيمان بقضية توسيع دائرة وسطاء التسوية. وهي لا تمثل بذلك تصحيحا للخطأ الذي صاحب صيغة مدريد وأوسلو خلال العقد الفائت ولعل واشنطن ترى في هذه الآلية التي توحي بتعددية الوسطاء «شكليا» ممرا أمنا لصيانة إنفرادها بالوساطة «فعليا»، وبذلك فإنها تضمن تبديد الشكوك والهواجس، العربية والفلسطينية بخاصة، المحيطة بدورها، وتتمكن في الوقت ذاته من «عولمة» أو تدويل مفهومها للتسوية بحسبه ناجم عن فواعل دوليين كثيرين وليس صناعة أميركية بحتة كما يردد المرجفون. ويبدو أن تل أبيب تتفهم حقيقة الرباعية على هذا النحو، ولذا فإنها، وعلى غير العادة لا تبدي انزعاجا إزاء ماتنطوي عليه هذه الآلية من فكرة تدويل قضية التسوية وتعددية الوسطاء، فالرباعية لا يسعها ولا يمكنها فرض رؤية للتسوية بمعزل عن إرادة واشنطن، التي باتت استنساخا لإرادة الحكومة الإسرائيلية. ومع كل هذه الهواجس، فإن العرب والفلسطينيين لا يملكون معاكسة الرباعية أو معارضة مبادراتها على نحو مباشر. إن أقصى ما هو متاح لهم هو أن يحاولوا تحريك مواقف هذه المجموعة في إطار حدين : أعلاهما جرها إلى تبني مقررات الشرعية الدولية كمرجعية لمداخلتها على خط التسوية. وأدناهما أن لا تنتهك الرباعية مبادئ مبادرة قمة بيروت للتسوية الشاملة. والظاهر أن حال العرب والفلسطينيين لا تدعو للتفاؤل بهذا الخصوص. ـ كاتب فلسطيني