اثار تقرير راند كوربوريشن الذي وصف السعودية بأنها «عدو» للولايات المتحدة موجة من التعليقات الصحافية ترددت اصداؤها في عواصم العرب. وبتمحيص هذه التعليقات يتبين ان «القليل» منها فقط هو الذي ناقش الأمر من وجهة نظر عقلانية، بينما «كثير» منها لم تكن كلماته تخلو من رائحة الشماتة، وربما التحريض والظن السيئ، وتطوع معظم هذه التعليقات للجزم بأن ما جاء في ذلك التقرير هو «وجهة النظر الرسمية للولايات المتحدة حيال المملكة العربية السعودية»، ومن ثم فهي حقيقة قطعية ونهائية يجدر أخذها بالجدية وليس بالظن! ويجدر بنا ان نناقش الموضوع برمته مناقشة بعيدة عن التحيز، وقريبة من المنطق الموضوعي الذي يخاطب العقل لا العاطفة، حيث يمكننا ان نلحظ في هذه المناقشة خمس نقاط رئيسة جديرة بالتفكير. أولا: ان من قفز الى التعميم بأن ما جاء في ذلك التقرير هو وجهة نظر أميركية «رسمية»، لا يعرف على وجه اليقين كيف تعمل المؤسسات المختلفة في مجتمع مثل الولايات المتحدة، فالبلد الذي يسمح لبعض مواطنيه ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ بأن يسافروا الى بغداد مثلا، ويتظاهرون هناك ضد سياسة بلادهم تجاه العراق، من دون ان يساءلوا سياسيا أو يتهموا بـ «الخيانة العظمى» ويحاكموا بسبب ذلك، مثل هذا المجتمع السياسي يسمح فيه بتعدد ألوان الطيف السياسي وتجاورها معا، وكذلك يجمع بين كل الرؤى التي قد تختلف الى حد التناقض، ولو لم يكن كذلك لما اصبح يمتلك هذه القوة الاقتصادية والعسكرية الهائلة. ففي مثل هذا المجتمع هناك الوان سياسية كثيرة، قد يأتي بعضها باجتهاد ما، لا يكون بالضرورة مقبولا من الاكثرية، وهناك شواهد على ذلك في كل زاوية من زوايا العمل العام او السياسي في الولايات المتحدة، ومن اعتقد «من المحللين العرب» ان ما جاء في تقرير راند كوربوريشن الاخير حول السعودية، هو رأي نهائي، وانه يمثل سياسة مستقبلية لا محيد عنها، فقد اخطأ مرتين، الاولى هي عدم الفهم الحقيقي لديناميكية العمل السياسي الأميركي، والثانية انه خلط بين تمنياته الشخصية وما يجب ان يكون، وكلاهما يؤدي الى الخطأ القاتل في التحليل. ثانيا: ان هناك بعض الدوائر الأميركية، وقد كانت موجودة في السابق ولا تزال قائمة، تقف موقف العداء ضد هذه الدولة او تلك، لاسباب مصلحية، لا علاقة لها بالعقل او الموضوعية، ولهذه الفئات اجندتها الخاصة تجاه دول كثيرة، والمملكة العربية السعودية ليست استثناء من ذلك، فقد كانت هناك دوائر قبل الحادي عشر من سبتمبر بوقت طويل تقف من السعودية موقف العداء، ولعلنا نذكر انعكاسات موقفها العدائي ذاك عندما وقفت هذه الدوائر مناهضة لبيع بعض انواع السلاح للمملكة، وقد نجحت بالفعل ـ لبعض الوقت ـ في الحيلولة دون ان تبيع واشنطن للرياض طائرات حربية أو نوعا من الصواريخ، مما حدا بالمملكة العربية السعودية في وقت ما الى الالتجاء الى الصين لشراء احتياجاتها الدفاعية من تلك الاسلحة.. وهذا مما يدل على ان موقف هذه الدوائر «المعادية» لاسباب شتى ليس بالجديد، وهي الآن تجد الفرصة مواتية اكثر من أي وقت مضى لايقاظ عدائها حتى تتمكن من تعكير الاجواء بين واشنطن والمملكة، بينما تجني هذه الدوائر ثمارها المرجوة. ثالثا: بالتأكيد هناك دوائر صهيونية تنتشر وتتغلغل في داخل وخارج الادارة الاميركية الحالية أو أي ادارة سابقة، وبطبيعة الحال لن تروق لهذه الدوائر مواقف المملكة العربية السعودية، تحديدا فيما يتعلق بأحداث فلسطين، وتعتقد ـ حقا أو باطلا ـ ان الضغط على المملكة العربية السعودية يمكن ان يؤدي الى تنازلات فلسطينية، ومن ثم يرون ان المملكة العربية السعودية يتعين عليها ان تسعى الى الضغط بقوة على الفلسطينيين مستندة الى ما لها من دالة عليهم، وكذلك الى موقفها الدولي والعربي والاسلامي، وهو امر يبالغ فيه البعض، الى درجة الخروج به عن حدود المنطق، للعديد من الاسباب، اولها ان المملكة لا تستطيع ان تقنع الفلسطينيين بما لا يحقق مصالحهم الوطنية، وثانيها ان هناك حدودا دنيا لا تستطيع اي دولة عربية ان تتخطاها في الموضوع الفلسطيني، وهي الحدود التي رسم سقفها اخيرا الوفاق العربي، فيما سمي بالمبادرة العربية من أجل السلام، وكرست جماعيا في بيروت في ربيع هذا العام. رابعا: لعل بيت القصيد هو «التطرف الديني» الذي يغمز من خلاله من يكتب أو يعلق ـ خاصة في الولايات المتحدة ـ على العلاقات السعودية ـ الاميركية في وضعها الحالي، مستندين الى ان عددا من الذين ارتكبوا جريمة الحادي عشر من سبتمبر ينتمون الى الجنسية السعودية. تلك حقيقة تستخدم استخداما سياسيا آن له ان يناقش في حدود حجمه الحقيقي، ولا شك في ان الاكثر احاطة بهذا الموضوع هو الطرف الأميركي بحد ذاته، فهو الذي استخدم هذا التطرف ـ لفترات طويلة ـ وغض الطرف عن تناميه المتسارع، وتشعبه على مستوى خريطة العالم، عندما كان هذا التطرف مناسبا له، وان كان هناك اطراف يجب ان تلام في السابق، فان الطرف الأميركي لم يكن كامرأة قيصر في هذا الموضوع بالذات، اذ لم يكن بعيدا عن الشبهات. فقد قرر الطرف الاميركي في وقت ما ان يستعين بمثل هذا التطرف ليساعده في حربه ضد القطب الآخر «الاتحاد السوفييتي»، ليعيد لهذا الاخير الصفعة التي تلقاها في ستينيات القرن الماضي، من فيتنام «بمساعدة سوفييتية»، فجاء دور واشنطن لتمارس الدور نفسه ضد موسكو السوفييتية، مستعينة بجماعات التطرف، في جبال افغانستان الوعرة، في الثمانينيات(!). وهذا أمر لم يكن فيه جديد حينئذ، شأنه في كل وقت من التاريخ، فهذه هي قواعد اللعبة في الصراع الدولي بين القوى الكبرى، حيث تستخدم الشعارات «البراقة» لتحقيق اهداف سياسية. وبينما ينبغي فحص واختبار الوسائل المختارة لتحقيق الهدف، كان الأمر ـ على الأرض ـ مختلفا تماما، فكان الهدف هو الذي يفرض الوسائل، ومن ثم استخدمت كل الوسائل التي تحقق الهدف المرجو، بقطع النظر عن نتائجها المصاحبة والجانبية «على المدى البعيد» وهي ازمة ازلية تصاحب الممارسة السياسية لدى الدول الكبرى على مدار الزمن، والولايات المتحدة ليست استثناء من هذه القاعدة. هناك اسباب موضوعية لاختلاف وجهات النظر بين العرب، ومن بينهم المملكة العربية السعودية، وبين السياسة الاميركية في الشرق الاوسط. وبؤرة هذا الاختلاف هي الوضع في فلسطين فليس جديدا ان العرب ينظرون الى هذا الصراع على انه غير متكافيء وان الشعب الفلسطيني قد حرم من تحقيق مصيره بطريقة عشوائية، وانه يخضع لاضطهاد لم يتعرض له شعب آخر بمثل هذه القسوة والصلف. هذا المبدأ السياسي الكبير والعظيم هيئ له افراد من جماعات الجهل في تنظيم «القاعدة» ارادوا ان يستخدموا حقهم في تكريس هذا المبدأ بوسائل بدائية مثل الهجوم على الولايات المتحدة، وهي وسائل تخذل المبدأ نفسه بل تسيء اليه، اذ لم يواكب هذا الاجتهاد العشوائي جهد نظري وعملي في استنباط الوسائل وتعزيز المناهج الصحية المحققة للاهداف المنشودة. وهذا الخطأ القاتل استغلته ومازالت بعض الاوساط في داخل الولايات المتحدة لتصفية قضايا معلقة وقديمة. خامسا: لقد استفاد من احداث الحادي عشر من سبتمبر العمياء، او قرر ان يستفيد منها عدد من القوى، من بينها بعض حكام الجور وعلماء السوء وكتاب المناسبات في عدد من بلادنا العربية،كما انتهزتها اطراف في الغرب وفي الولايات المتحدة ـ على وجه التحديد ـ للضغط على اطراف عربية من بينها المملكة العربية السعودية لتقديم تنازلات، خاصة في الموضوع الفلسطيني، وهو امر قد يبدو مخيفا في المدى القصير ولكنه يقرر بوضوح لا لبس فيه ان تلك القوى مستعجلة، تتجاوز الوعي بالمكان وربما بالزمان ايضا في سبيل الترويج لما تشتهي وهي تبحث عن براهين لتأكيد ما تضمره، بينما تغفل حقائق ماثلة للعيان. مثل هذه المواقف تضيف من جديد الى المتشددين والغلاة وقودا هم في حاجة اليه كما ان الضرب على هذا الوتر من جانب بعض الكتاب والمعلقين العرب يبين انهم قد وجدوا في هذه المواقف مأتما يبكون فيه، متذرعين بذلك التقرير «الانف ذكره» متناسين انهم قد ملتهم المآتم.. فكم بكوا على الاطلال في العقود الاربعة الاخيرة، ولكن من دون طائل! ـ أمين عام المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب ـ الكويت