«ما هو الشيء الذي يجعل الكاتب يواصل رحلته مع القلم، ويستمر في عطائه الادبي او الفكري دون ان يشعر بالتعب والمعاناة والذي لو حرم منه فانه سيتوقف ويحجم عن المواصلة والاستمرار؟». هذا السؤال تقدمت به كاتبة انجليزية شهيرة الى جموع مواطنيها من الكتاب والمؤلفين ورصدت لمن يجيب عنه الاجابة الصحيحة جائزة مالية كبيرة، وقد كانت الجائزة من نصيب الكاتب الذي اجاب عن السؤال قائلا: «ان الشيء الذي له هذه الميزة لدى كل كاتب هو التشجيع». وقد علقت الكاتبة الشهيرة على سبب اختيارها لهذه الاجابة قائلة: «لقد صادفت من النجاح الشيء الكثير، ورغم ذلك فان كلمة التشجيع تدفعني لأبذل المزيد، واواصل اعمالي بهمة لا تعرف النقص، كما ان مهاجمة اعمالي دون الاحتكام الى معايير موضوعية من النقد الادبي تصيبني بالاحباط والرغبة في التوقف. ولو اردنا ان نسقط رأي الكاتبة على الواقع لوجدناه مؤيداً لها فيما ذهبت اليه، ليس فيما يختص بالعمل الكتابي فقط، وانما ينطبق على كافة مجالات العمل التي تزدهر بوجود التشجيع ويتناقص عطاء العاملين فيها اذا حرموا من فيتامين التشجيع القادر على حمايتهم من الاصابة بأعراض فقر الدم الوظيفي الذي من اهم علاماته انتفاء الدافعية للعمل، والشعور بالاستياء من البيئة الوظيفية طالما ان هناك تقصيراً في حق العاملين والمجتهدين، وحرمانهم من حقهم الطبيعي في نيل حوافز معنوية وادبية الى جانب الحوافز المادية تقديرا لتميزهم ونشاطهم الملموس. واذا عدنا الى مجال الكتابة بمعناها الواسع الذي يستوعب كل الاقلام التي تصالحت مع الكلمة، واقامت علاقة صداقة، وميثاق شرف بينها وبين انتاجها المكتوب، فاننا سوف نجد تفاوتا شديداً في نصيب الكتاب من هذا التشجيع الذي تحدثت عنه الكاتبة الغربية. فبينما استوعبت المؤسسات الثقافية، والواجهات الاعلامية العديد من الاقلام المتميزة، حرمت اقلام من ذلك الاهتمام، ولم تنل ما تستحقه من عناية وتشجيع، الامر الذي ادى بهم الى التوقف عن معانقة الكلمة، والكف عن تقديم المزيد من الاعمال الجيدة نتيجة قلة التشجيع! ولكن ما بالنا نذهب بعيداً، وننسى الدائرة الاقرب، والاكثر قدرة على القيام بدور المشجع النشط، الذي يهتف لكل عمل ادبي، او فكري تجود به الاقلام المنتمية لقضايا المجتمع. ان جمهور المتعلمين كان عليهم واجب القيام بسد الفجوة الكبيرة بين المبدع وبين المؤسسات الاعلامية التي لم تستوعب كافة الطاقات لسبب او لآخر. وكان حريا بجمهور المتعلمين، وعلى الاخص اولئك الذين يؤمنون برسالة الكلمة، ودورها في تجويد الحياة، تقديم رؤية عميقة للجوانب المختلفة من النشاط الانساني، غير انهم ـ مع الاسف ـ تأخروا عن القيام بهذا الواجب، وفرّطوا فيه تفريطا مرعباً. فلقد تنازل هذا الجمهور طواعية، وبملء الخاطر عن لعب دور المشجع الحريص على رفع معنويات فريق الكتّاب، واكتفى اغلبهم بالتشجيع في ملاعب كرة القدم، او بالتصفيق امام شاشات التلفزيون. وهذا هو التشجيع الوحيد الذي برع فيه اغلب الناس، وأدوه بحماس ليس له مثيل. وحتى لا يفهم اني ضد الرياضة، فاني اكتفي فقط بمطالبة عشر معشار هذه الاعداد الغفيرة ليشجعوا من لديهم مواهب اخرى لا تقل اهمية عن النشاط الرياضي، ولها ميزتها وخصوصيتها التي ترفعها الى المقام الاول من حيث فاعليتها في النهوض بواقع المجتمع. ونظرة واحدة الى اكوام الغبار التي تعلو ارفف المكتبات المعنية ببيع الكتب تعطيك الدليل الحي على قلة المشجعين للانتاج الفكري او الادبي في عالمنا العربي. ولو التفت إلى يمينك او شمالك في المكتبة ذاتها ورأيت المجلات من النوع الخفيف الدسَمْ، وان شئت الدقة من النوع السيء المذاق، وعلى اغلفتها صورة مطرب او ممثلة او فتاة غلاف، وسألت البائع عن حجم زبائنه من قراء هذه المجلات لأجابك بأنهم كثيرون، وبأن تجارته رائجة من بيع هذه الدوريات ذات المقاييس الفضفاضة التي لبست ثوب التغريب، وخلعت ثوب الحياء. كما ان البائع لن ينسى ان يخبرك حين يراك شخصاً متحمساً للمعرفة الحقيقية وليس للافكار المغشوشة بأنه لو اكتفى ببيع الكتب ذات المضمون الجيد لانهارت تجارته، ولأغلق مكتبته منذ سنوات. ألستم معي ـ أيها القراء الكرام ـ انه ليس هناك مشجعون لأعمال النابهين الا على أضيق نطاق!!