معذرة، فخواطري اليوم حزينة غاضبة، من أثر الحقيقة المرة، التي كشفها وعراها تقرير التنمية البشرية العربية الصادر مؤخراً عن البرنامج الانمائي للامم المتحدة، والصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي. مفردات التقرير عن حالنا العربية مروعة ومهينة وتوجع القلب، ومن ذلك ـ كمثل ـ ما يتعلق بقضية الترجمة إلى اللغة العربية، حيث يقول التقرير: ان عدد الكتب التي تترجم الى اللغة العربية سنويا لا يزيد على ثلاثمائة كتاب، وهو عدد يساوي خمس ما يترجم سنويا الى اللغة اليونانية، التي لا يزيد عدد المتحدثين بها على احد عشر مليونا، بينما يزيد المتحدثون بالعربية على مائتين وثمانين مليونا... بل ان مجموع ما ترجم الى اللغة العربية منذ عهد ازدهار الترجمة ايام الخليفة العباسي المأمون لا يزيد على مائة الف كتاب، اي ما يساوي عدد ما يترجم سنويا في اسبانيا وحدها. انها كارثة، لا يملك المرء ازاءها الا ان يقول: اننا امة تلهو وتعبث بحياتها ولا تبالي بمستقبلها. وبطبيعة الحال لا نقصد بالامة عامة الجماهير ضحايا الفقر والجهل، وانما نعني المسئولين عن تدبير شئون المجتمعات العربية، وبخاصة في مؤسسات التعليم والبحوث والثقافة. هي كارثة، لانها تعني ـ حتميا ـ اننا نحكم على انفسنا بالخمود في كهوف الجهل والعزلة والتخلف عن ركب التقدم العلمي المتسارع، كما تعني ان لغتنا العربية ـ في حال استمرار معدل الترجمة على ما هو عليه ـ سيكون مصيرها الانحسار والانعزال عن حركة الحضارة الانسانية ومستحدثات العصر، ومن ثم الذبول المفضي الى الموت. ان الترجمة في زماننا هي اهم واعظم القوى المحركة لعجلة التقدم في كل المجتمعات: المتقدمة منها والمتخلفة على السواء، وهي طوق النجاة لانقاذ اللغات والثقافات الوطنية، والهويات القومية للشعوب. هي التميمة السحرية التي تحقق بها الامم حيوية التواصل والتفاعل الحضاري، والافادة من ثمار العقل البشري في عصر العولمة، مع المحافظة على الثقافات والهويات الوطنية التي قوامها اللغات القومية. من اجل هذا تتصدر الترجمة قائمة مهام المؤسسات التعليمية والعلمية والثقافية في الدول المتقدمة، فلا يكاد يصدر بحث او كتاب علمي بالانجليزية مثلا، حتى تكون ترجماته الفرنسية والالمانية والايطالية والاسبانية وغيرها معروضة في المكتبات في دول اوروبا المختلفة. ولهذا فان تلك الدول لا تعاني ـ كما نعاني ـ عقدة التعليم الاجنبي ومدارس اللغات، فكل شعب يتعلم احدث علوم العصر بلغته الوطنية، مهما قل عدده، وهو ـ في الوقت نفسه ـ يتعلم لغات اخرى وبخاصة الانجليزية، لتوسيع آفاق معارفه. بل ان احترام اللغات الوطنية صار محور حرب لم تعد خفية، يجتهد كل طرف فيها للحفاظ على لغته، الى حد ان الافلام الاميركية ـ مثلا ـ لا تعرض في اي بلد الا ناطقة بلغته الخاصة. ويؤثر عن احد الوزراء الفرنسيين البارزين قوله عن نزعة السيطرة الثقافية واللغوية الاميركية: انه غزو استعماري جديد. ولعلنا لا ننسى في هذا المقام تجربة احياء اللغة العبرية في الكيان الاستيطاني الجاثم على صدر وطننا الفلسطيني. انني ـ بطبيعتي ـ لست من المتشائمين الذين يسهل وقوعهم في وهدة اليأس والاحباط، كما انني لست من المهولين الذين يخترعون طواحين الهواء لمحاربتها، بل انني أومن اننا نملك طاقات هائلة، مادية وبشرية، كفيلة بنهضة شاملة في مجال الترجمة، ولكننا نهدر كثيرا منها في اللهو والعبث وفيما لا طائل منه، وذلك في كل بلد عربي بلا استثناء، وهذا ما يدفعني، وينبغي ان يدفعنا جميعا الى الصراخ والاستغاثة طلبا للنجدة... اقصد الترجمة.. لا في مجالات الادب فقط، كما يتجه التفكير عادة، وإنما ـ وهو الاهم ـ في مجالات علوم الطب والهندسة والصناعة والزراعة والالكترونيات والفضاء وغيرها من علوم العصر وتكنولوجيا اليوم والغد..