اذا كان الرئيس الأميركي جورج بوش قد اتخذ قراراً قيد التنفيذ لضرب العراق وفق استراتيجية تخدم في المقام الاول المصالح الاميركية ـ وتلبي غاية اسرائيلية ملحة تمشياً مع قادة الاحتلال الاسرائيلي من تزايد مخاوفهم من الرئيس العراقي صدام حسين ـ فإن بوش نفسه يعاني الآن مأزقاً حقيقياً في كيفية اقناع الرأي العام الاميركي ومن ثم الدول بمبررات شن ضربة وقائية او حرب ضد العراق والاطاحة بصدام. ولعل تزايد حدة الانقسامات الداخلية حتى في بريطانيا اكبر الحلفاء لسياسة بوش جعلت من مسألة ضرب العراق ـ ليس بوصفه دولة عربية ولكن باعتباره حسب التصنيف الاميركي المزعوم دولة مارقة ـ مادة للحوار وحديث الساعة سواء بالنسبة للسياسيين او رجل الشارع العادي. بل ان الاصوات المعارضة ذهبت الى ضرورة ان تراجع بريطانيا ـ كما راجعت ألمانيا وفرنسا مواقفهما ـ نفسها ولا تنساق بشكل اعمى خلف المزاعم الاميركية الصهيونية التي تستهدف اصلاً تنفيذ مخططات استراتيجية بعيدة المدى يمكن ان تكون لها مخاطر جمة على منطقة الشرق الاوسط. ورغبة بوش في الوصول الى الرئاسة الثانية للولايات المتحدة مستخدماً في ذلك كل ألاعيبه السياسية ليست خافية على جميع المراقبين لرصد حالة المناورة السياسية والتخبط في التصريحات التي يعلنها كل يوم بوش وحاشيته فيما يتعلق بتوجيه ضربة ضد العراق والاطاحة بصدام بل والاعداد لمرحلة ما بعد صدام من خلال استخدامه للمعارضة العراقية بالخارج وتشكيل حكومة جديدة على الطريقة الاميركية كأحد الحلول المماثلة تماماً لخطة الحرب في افغانستان متناسياً في ذلك ان سيكولوجية رجل الشارع العراقي والعربي طبعاً تأبى في اوقات الشدة الاعتقاد بمن يأكلون على موائد اعدائهم وهو ما دفع محمد سعيد الصحاف وزير الاعلام العراقي الى توصيفهم بأنهم مجرد خفافيش ومنتج اميركي فاشل بل ان الالتفاف حول النظام العراقي من جانب رجل الشارع العادي تزايد في الآونة الاخيرة خاصة وان العراق ابدى مرونة كافية لمشكلته مع الامم المتحدة فيما يتعلق بمسألة المفتشين الدوليين وفوت بذلك الفرصة على بوش وبلير واسرائيل ولم يعد لمزاعم الرئيس الاميركي مبرر لضرب العراق. وهذا يؤكد غياب التعقل الاميركي الحريص على توجيه ضربة عسكرية تضعف تماماً من الارادة السياسية العربية على مدى سنوات مقبلة لأنه من الافضل ان يكون حرياً ببوش وأمثاله ممن وجدوا في ثوب الارهاب ضالتهم لتنفيذ مخططاتهم ان يضعوا الاستجابة العراقية على المحك بدلاً من انتهاج سياسة الاطاحة برؤساء شعوب اخرى وفق جدول مخطط غير معروفة تفاصيله وهو الامر الذي من شأنه ان يشعل آلة الحرب في المرحلة المقبلة ويمهد الطريق تماماً لافتراق الحضارات بدلاً من تقاربها والبحث عن سلامتها ووئامها. ولهذا فالأفضل لبوش ان يتعامل بعقلانية مع مسألة ضرب العراق لأنها تختلف في الوقت الراهن عن اي وقت مضى خاصة وان دولة الاحتلال تمتلك اسلحة دمار شامل ولا احد يسألها او يسعى للتفتيش عليها وهو المأزق الحقيقي الذي يجب ان يضعه فيه المجتمع الدولي وقبله بالتأكيد القادة العرب باعتباره امراً مهدداً للدول العربية والمنطقة بأسرها