يحكى ان سعيد بن العاص مرض وهو بالشام، فعاده معاوية ومعه شرحبيل بن السمط ومسلم بن عقبة المري، ويزيد بن شجرة الرهاوي فلما نظر سعيد معاوية وثب عن صدر مجلسه اعظاماً لمعاوية فقال له معاوية: اقسمت عليك أبا عثمان ألا تتحرك، فقد ضعفت بالعلة فسقط، فتبادر معاوية نحوه حتى حنا عليه وأخذ بيده، فأقعده على فراشه وقعد معه، وجعل يسائله عن علته ومنامه وغذائه، ويصف له ما ينبغي ان يتوقاه، وأطال القعود معه، فلما خرج التفت إلى شرحبيل بن السمط، ويزيد بن شجرة، فقال: هلا رأيتما خللا في مال أبي عثمان؟ فقالا: مارأينا شيئا ننكره، فقال لمسلم بن عقبة: ما تقول: قال: رأيت، قال: وما ذاك؟ قال: رأيت على حشمه ومواليه ثياباً وسخة، ورأيت صحن داره غير مكنوس، ورأيت التجار يخاصمون قهرمانه، قال: صدقت، كل ذلك قد رأيته، فوجه إليه مع مسلم بثلاث مئة ألف، فسبق رسول يبشره بها ويخبره بما كان، فغضب سعيد، وقال للرسول: ان صاحبك ظن انه أحسن فأساء، وتأول فأخطأ، فأما وسخ ثياب الحشم فمن كثرة حركته اتسخ ثوبه، وأما كنس الدار فليست أخلاقنا اخلاق من جعل داره مرآته، وتزينه لبسه، ومعروفه عطره، ثم لا يبالي بمن مات هزلاً من ذي لحمة أو حرمة، وأما منازعة التجار قهرماني، فمن كثرة حوائجه وبيعه وشرائه لم يجد بداً من ان يكون ظالماً أو مظلوماً، وأما المال الذي أمر به أمير المؤمنين، فوصلته كل ذي رحم قاطعة، وهنأته كرامته المنعم بها عليه، وقد قبلناه وأمرنا لصاحبك منه بمئة ألف، ولشرحبيل بن السمط بمثلها، وليزيد بن شجرة بمثلها، وفي سعة الله وبسط يد أمير المؤمنين ما عليه معولنا. فركب مسلم بن عقبة إلى معاوية فأعلمه، فقال: صدق ابن عمي فيما قال، وأخطأت فيما انتهيت إليه، فاجعل نصيبك من المال لروح بن زنباع عقوبة لك، فإنه من جنى جناية عوقب بمثلها، كما انه من فعل خيراً كوفئ عليه.