كان الليل قد بدأ يسدل ستوره فيما ظلت الحافلة تشق طريقها على طريق ريفي ممهد تحفه أشجار الفاكهة عن يمين وعن شمال.. أمثالنا من ذوي الأصول الريفية، يعرفون بحق ما معنى أن تغرب الشمس في الريف وأن تلتف الكائنات في عتمة المساء.. وتصبح الأرياف مستودعا للطيوف والأسرار.. لكننا كنا نشق طريقنا في ذلك الريف العجيب من غربي ولاية بنسلفانيا على الساحل الشرقي للولايات المتحدة.. وهو عجيب بكل المقاييس.. لقد عشنا في ريف الضواحي الريفية التي تنتشر في أعالي ولاية نيويورك ـ بالتحديد في قرية وادعة ولكن جميلة وأنيقة.. كلها على ـ بعضها تكاد تشبه خميلة أو أيكة مفعمة بالشجر والزرع وخضرة النماء.. ورغم الهدوء الذي كان يخيم على قريتنا ـ الضاحية، وكان اسمها لارشمونت ـ بايقاعه الفرنسي الذي لا يخطئه السمع ـ إلا أن شوارع وأزقة لارشمونت كانت مفروشة دوما بنور الكهرباء وهو أمر عادي بل بديهي والبركة طبعا في جهود البلديات والمحليات. لكن ريف بنسلفانيا الذي كنا نقتحم غياهبه كان على خلاف ذلك تماما.. العتمة في كل مكان.. والبيوت تلفها حلكة الظلام.. اللهم إلا من شعاع.. بصيص خافت ينبعث من خصاص نافذة أو فوق عُليّه في السطح أو من تحت عُقب الباب.. وأنت تطل من نافذة السيارة فإذا بك تلحظ شموعا موضوعة، فيما يشبه الانتظام في قواعد النوافذ.. كأنما لتعلن أن من خلف الشبابيك سكانا يعيشون ويأنسون الى خيمة هذا الظلام.. ها نحن نجتاز الحدود الفاصلة بين قرى وبلدات عديدة لا تهدينا سوى أضواء سيارتنا.. ونجهد عيوننا كي نقرأ اللافتات شبه المعتمة على جانب الطريق.. ولا عجب في هذا كله.. فنحن نشق طريقنا في ذلك المجتمع الغريب الذي لاشك أنك سمعت عنه والذي تعلن عن وجوده لافتة قرأناها بوضوح ـ والشهادة لله ـ إذ كانت حروفها تشع بأضواء الفسفور وتقول عبارتها: « مرحبا بك.. الى بلاد الأميش.. Hmish..» كنا في زيارة الى ذلك المجتمع الغريب الذي لا يكاد يبين من معالمه شيء حين يحل الظلام على أرض المكان.. إن هذا إلا أشباح سوداء تتحرك.. ومركبات سوداء لا تفصح عن معالمها ولكنك تسمع ايقاع عجلاتها وحوافر جيادها تصك أديم الطريق.. وبعد ذلك وقبل ذلك يسود الصمت.. فإذا بالناس يتكلمون همسا من حيث يشعرون ولا يشعرون ولا يقطع الصمت سوى تسبيح طائر أو حفيف جناح أو انكسار غصن من شجرة عتيقة أو خوار بقرة أو بكاء رضيع.. وفيما عدا ذلك لا شيء تسمعه آذاننا التي تعودت الى درجة الكلل والاجهاد على أصوات الديسكو التي جلبتها الحياة الأميركية بكل صخبها وضجيجها والاهانات السمعية التي ترهق الأعصاب وترسل شحنات التوتر الى أفئدة الناس. وبالمناسبة فالهواتف ممنوعة في مجتمع الآميش تماما كما أن الكهرباء ممنوعة(!) وعندما بتنا ليلتنا في ضيافة أسرة تعيش في أرضهم.. صحونا في النهار لنجد أن التصوير ـ تصوير أفرادهم ممنوع كذلك ـ اللهم إلا لقطة مختلسة هنا أو هناك.. وطالت زيارتنا لبلاد الأميش نحوا من ثلاثة أيام.. بلادهم.. أرضهم كما يسمونها في غربي بنسلفانيا تنقسم الى مجتمعين.. الأول هو مجتمع عصري.. هل نقول طبيعي يعيش أهله مثل سائر خلق الله ويستخدمون كل وسائل وسبل الحضارة المعاصرة وتربطهم بالأخوة الأميش آصرة عمومة أو خؤولة تعود بالفئتين الى جماعة المينونايت وهي مذهب أو نِحلة (بكسر النون) مسيحية نشأت في وسط وغربي أوروبا في القرن السابع عشر وخاصة في سويسرا والمانيا وتطورت على يد مؤسسها «جاكوب أمّان» لتصبح مذهبا شديد المحافظة والصرامة الى حد التزمت في كل شئ ابتداء من الملبس فلا يزال أتباعه المحافظون ـ الأميش يرتدي رجالهم حلة سوداء وقبعة سوداء ويرسلون لحاهم دون شواربهم وما زالت نساؤهم يرتدين القبعات التقليدية المنسدلة على الاذنين ولا تفارقهن الجوارب السوداء ولا يستخدمن أي نوع من أنواع الحلي أو غيرها من وسائل زينة المرأة.. وعندما انبلج النهار كنت ترى أهل ذلك المجتمع يسعون في الأرض ويفلحون المزارع ويتعاملون مع مواشيهم.. لا تسمع رنة تليفون ولا ايقاع نغمة ولا دوران تروس ولا هدير سيارة ولا جلبة موتور.. أي موتور.. كأنما يرتد بك طرفك ووعيك ووجدانك الى مشهد يعود بك الى دنيا العصر الوسيط تسمع الناس يتبادلون التحايا في انجليزية أقرب ما تكون الى لغة العهد القديم.. وتسمع الكهول والمخضرمين بين صفوفهم يتكلمون رطانة ذات ايقاع جرماني هي مزيج كما قيل لنا من الألمانية والانجليزية وإن كانوا يسمونها هولندية بنسلفانيا. إن «الأميش» يشكلون أهل المجتمع الآخر بخلاف مجتمع المينونايت.. تستطيع أن تسميهم أهل التمسك الحرفي النصّي بالمذهب المذكور.. ولكي ننعم بالاطلاع على حال كل من المجتمعين.. كنا نمضي المساء ونبيت الليل عند المينونايت فتجمع بيننا جلسات سمر كنا نلحظ فيها كم أن القوم بالغو التهذيب وإن كانوا يعيشون في عزلة تباعد بينهم مسار الحياة في المجتمع الأميركي.. ثم كنا نمضي رائعة النهار عند الأخوة الأميش وقد نتغدى عندهم حيث كل شئ نظيف في بساطة.. مرتب في زهد وطيب في تقشف.. أصناف الفاكهة والخضر طازجة ولا تخالطها الكيماويات والأميش أشهر من يزاول الزراعة العضوية ـ الأصيلة ـ ومحاصيلهم مشهورة بهذه الصفة وتقدم في أركان مخصوصة ومحوط بتوقير خاص في أسواق العواصم الاميركية الكبرى.. ويبدو أنهم عكفوا على ترجمة المبدأ الأصيل الكريم الذي تحتفل به ثقافتنا العربية الاسلامية وهو أن «العمل.. عبادة» ومن ثم تراهم وقد تمكنوا من أوان البكور على حراثة الأرض (يستخدم الفلاح محراثا بدائيا من رافعات الخشب وسلاح الحديد ويرافقه في الانجاز زوجان من الجياد أو البغال) أما النساء فعاكفات ـ مثل فلاحات بلادنا ـ على رعاية القطعان وانتاج مشتقات الألبان وبين هؤلاء وهؤلاء تركض عربات «البجي» السوداء التي تجرها الجياد لتنقل ركابها في مشاويرهم الى المراكز الحضرية التي تحدق بهذه الأرياف الساذجة الوادعة.. وفي تلك المراكز تستطيع أن تشتري منتوجات الاشغال اليدوية والحياكة الفنية التي صاغتها أنامل فتيات الأميش.. وبالمناسبة فالثمن ليس بالهين ولا هو بالقليل. كل شئ في ذلك المجتمع الذي ينتجونه بأيديهم وداخل بيوتهم.. يزرعون ما يأكلون وينسجون ويحيكون ما يلبسون ويعدون ذلك خيرا عميما على نحو ما أشاد به يوما كاتبنا الأشهر جبران خليل جبران حيث الخير في رأيه في أمة تحصد مما تزرع وتلبس مما تنسج. وعلى ذكر الملابس تصل حرفية التقاليد عند أصدقائنا الأميش الى حد أن ملابسهم لا تحوي أزرارا بل يفتحون فيها عروة ثم يشدون أطرافها بخيوط داخل تلك الفتحات.. في استحياء تسأل عن السبب وفي استحياء أيضا.. يردون في أدب: تلك تعاليم الكتاب المقدس.. ويرد آخرون: بل هو حرص ـ ولو غريب ـ على مواصلة تقاليد الملابس التي كان أهل المذهب يرتدونها منذ 300 سنة. وما دمنا في معرض الأسئلة فقد تتشجع وتطرح سؤالا حول ما قد يصادفونه من مشاكل إزاء معطيات (أو تحديات) الزمان الحديث.. رد مضيفنا ونحن نتناول في بيته طعامه الطازج اللذيذ: - نشكر الرب ونحمده.. لا مشاكل. بادرته والدته وأعلنت في رطانة المانية: - بل هناك مشاكل.. هذا هو جوشيا (أشعيا) خرج من سجن الولاية منذ أسبوع ليس إلا! جوشيا هو ابنها الذي استضافنا وأصل الحكاية أنه رفض ـ حسب أصول مذهبهم ـ أن يبعث بولديه الى المدرسة الثانوية ـ ان المذهب يقضي بالاكتفاء بالمرحلة الابتدائية وإزاء الرفض لم يجدوا مناصا من تخييره بين المدرسة الثانوية للشبليْن حسب قانون الالزام التعليمي أو إنزال عقوبة السجن.. واختار جوشيا السجن الى أن تدخل عقلاء الجماعة ـ هكذا يسمونهم فكان الافراج واخلاء السبيل.. تلك كانت مشكلة صغيرة محدودة.. لكن ذلك المجتمع المعزول تعّين عليه وما زال يتعين عليه أن يواجه مشاكل الخروج عن تقاليده وأعرافه.. شاب يرفض هذا التزمت.. شابة تتمرد على حرفية القواعد المتبعة.. عائلة تهرب الى خارج المجتمع.. الخ.. هنالك وجد أهل السينما أكثر من قصة تحكى.. بل أكثر من تراجيديا عرضوا فصولها المأساوية على أفهام الناس.. عندما عدنا قال الرفاق: - الحمد لله على السلامة.. من أرض الأميش. - كان هذا هو على مستوى الجغرافيا أما على مستوى التاريخ.. فقد عدنا من رحلة الى القرن السابع عشر.. ولله في خلقه شئون.