ما الذي تريد الولايات المتحدة فعله بالمنطقة؟ هناك تقليد متبع في كليات الحرب العليا الأميركية وفي مراكز الدراسات والجامعات وهو استخدام أكبر قدر ممكن من العقول لرسم سيناريوهات الحرب، في العالم، كيف ذلك؟ سأحاول التبسيط قدر الامكان، تستقطب الكليات العسكرية الأميركية العليا الكثير من العسكريين من جميع انحاء العالم وهؤلاء عادة ما يكونون في اعلى الهرم العسكري، أي انهم اكتسبوا الكثير من التجارب وراكموها بانتظار وضعها على المحك، واهم فقرة في البرنامج الدراسي (لعبة الحرب) وهي لعبة شبه حقيقية يشارك فيها جميع الدارسين ومدرسيهم ويمكن للجميع الرجوع الى أي مصدر والى ايه جهة للحصول على المعلومات لمساعدتهم على رسم السيناريو ووضع الحلول المقترحة. يقسم الطلبة الى مجموعات، كل مجموعة تتكون من حوالي خمسة الى سبعة طلبة، وتوضع امامهم المعضلة بكل تفاصيلها كأن يقال ان الدولة (أ) تقع بين الدول (ب، ج، د) ثم توضع العلاقة بين الدول تلك والدولة مدار البحث وبشكل يكاد يكون حقيقيا، وقد يتطرق الامر الى العلاقة العائلية بين حكام تلك الدول وارتباطهم الايديولوجي والديني، والوضع الاقتصادي ومستوى التعليم والزراعة ومدى استيعاب الناس في تلك الدول للتقنية، والوعي السياسي، والاحزاب وكمية المياه والجو والديون ومصالح الاطراف المختلفة ومراكز القوى.... الخ، ثم يقال بان المشكلة هي قيام الدولة (أ) بغزو الدولة (ب) للاسباب التالية، وتوضع الاسباب مفصلة ثم يقال : ضع افضل طريقة لجعل الدولة الغازية تنسحب من الدولة (ب). هنا تنسكب عصارة العقول، ويظهر الدهاء البشري، وعلى تلك الطاولات يتم رسم اعتى السياسات واكثرها احكاما، يترك المخططون مع مشكلتهم لبضعة ايام، يتقاتلون ويتحاورون ويجمعون المعلومات ويقدرون ردود الافعال، ثم يضعون كل ذلك في ملف ضخم ويقدم لهيئة التدريس، فتجتمع في نهاية الامر عدة ملفات وحلول لمشكلة واحدة، فيتم دراسة تلك الملفات، ويؤخذ افضلها تخطيطا ودهاء، وترسل نسخة منه الى البيت الابيض واخرى للكونغرس ووكالة الامن القومي ووزارة الدفاع للرجوع اليه عند الحاجة. قال لي احدهم: لقد رسمنا خطة غزو جزيرة غرينادا اثناء دراستنا في كلية الحرب العليا في أميركا قبل الغزو الفعلي بأشهر، ولم يقولوا لنا ان اسمها غرينادا بل كانت الجزيرة (أ) ، وتم تطبيق السيناريو الذي وضعناه حرفيا تقريبا. عندما غزا الاتحاد السوفييتي افغانستان، اتبع نفس الاسلوب القديم في الحرب، فكان يعتمد على القوة العسكرية لوحدها، فقد اندفعت الدبابات والاليات العسكرية عبر طاجكستان الى افغانستان بدون تحضير مسبق غير تمكين ثلة قليلة من الشيوعيين من الحكم، وبهم سيتم السيطرة على البلاد والعباد، ولكن تلك الخطة البدائية فشلت كما فشلت في الكثير من الدول الاخرى مثل تشيكوسلوفاكيا وبولندا وغيرها. ولكن الامر كان يختلف بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية، فقد حركت آلتها الدبلوماسية قبل العسكرية، فارسلت الكثير من المبعوثين الى ايران لحثها على القبول بطيران التحالف فوق اراضيها، واستخدمت كل مقدرات الباكستان للمشاركة في المعركة، ثم نشر البنتاغون قواته على طول الحدود الشمالية مع افغانستان في دول لم تكن واشنطن تحلم بان تطأها قدم جنودها، وحاصرت حاملات الطائرات باكستان في بحر العرب، حتى اذا اكتملت الحلقة، ضخت الكثير من الاموال الى الداخل، وسقطت جبهة طالبان الشمالية بمئة الف دولار دفعت لقائدها، حتى اكتمل السيناريو. لست استبعد ان هناك ملفا جاهزا لسيناريو الحرب العراقية الجديدة، ولكني على يقين بان كل تلك اجتهادات بشر تصيب احيانا وتخطيء احيانا خرى. فهل نتوقع ان تجري الامور على غير ما تحب أميركا؟ الجواب في الايام المقبلة الحبلى بكل عجيب. ـ رئيس تحرير «الجزيرة نت»