أثبتت التجربة الناصرية وخاصة بعد تأميم عبدالناصر لقناة السويس ونجاح مصر في ادارتها وصمودها حتى النصر لجحافل العدوان الثلاثي سنة 56: أن الخطاب الاعلامي القومي، عامة والتحرري خاصة وبحكم جذور التوحد العربي اللغوية والاجتماعية ثقافيا وفنيا وتاريخيا أيضا: قادر على الإفادة - عند توافر الحرفية المتميزة صدقا وإبداعا - على أن يجعل التغيير الوافد في قطر عربي واحد أساسا ايجابيا لاحداث تغيرات تتسع دوائرها فيما يشبه القاء حجر في بحيرة ماء ساكن من خلال تداع وتتابع يعكس دوائر متتالية من حركة متصلة مغايرة تماما لأي مظهر ساكن للفكر السياسي القومي الذي قد يركد زمانا ومكانا وكما يراد له اليوم. ومن صور التعبير الحرفي في الخطاب الاعلامي الناصري عن هذا التوجه القومي الرتيب الهادئ بآثاره الدائرية الحلزونية ذلك الكم الكبير من البرامج والمسلسلات الاذاعية العربية غير المصرية التأليف مثل الروايات العراقية والجزائرية والمغربية من ناحية والصياغات اللفظية واللحنية لمئات الأغنيات العاطفية وليست الوطنية والتي عمت شهرة شعراء وملحنين ومطربين غير مصريين أمثال الجواهري والصافي النجفي وعبدالله الفيصل ونزار قباني وخوري وحرداق وفيروز والرحبانية ووردة وفايزة، بل أن صوت العرب احتضن كتابا غير مصريين صحفيين وروائيين مثل سهيل ادريس وغادة السمان ومحمد ديب والطاهر وطار والطيب صالح وهاني الراهب الذي أحدث مسلسل روايته (الوباء) آثارا يتجاهلها البعض في تعصب ناصري عسكري الجذور رغم أن عبدالناصر وقف من هذا التعصيب المتشنج في بكائه على الوحدة بين سوريا ومصر موقف الواعي لقيمة صدق النقد الباحث عن الأخطاء في الخطاب الاعلامي القومي ولو كان ذلك في شقه الدرامي بشعبيته الجارفة. التجذر الاسلامي وقد أوصت الدراسات الاكاديمية والبحثية السابق الاشارة الى بعض أصحابها بضرورة أن يراعى - وبوعي صياغي دقيق - التجذر الاسلامي الغالب في المنطقة والراسخ في عمومية العرب شرط أن لا توحي هذه الجزئية من التركيز بنوع من التميز الديني أو حتى الغلبة المسيطرة، في نفس الوقت الذي يجب أن يوحي نفس هذا الخطاب الاعلامي باحتضانه في حميمية صادقة للعرب المسيحيين وخاصة في لبنان ومصر وفلسطين حتى يكون العرب جميعا أيا كانت معتقداتهم الدينية كلا واحدا يمثل النسيج القومي الفاعل في الايجابية الثورية الوحدوية المرجوة، وعلى أن يسدد هذا المفهوم الواعي عمليات التوجه بالخطاب الاعلامي وشموله لشيعة العراق والخليج مثلا والأكراد في المشرق والبربر في المغرب والدرزية والعلوية في سوريا ولبنان، بالاضافة الى الأصول الزنجية في السودان والصومال وهاجس الثورة الاسلامية في ايران خاصة وأن شاه ايران حليف للغرب معاد لعبدالناصر والتوحد القومي. وهنا تجدر الاشارة الى فضل دراسات وتأملات لمؤرخين عرب وأجانب للمجتمعات العربية بدءا من المؤرخ الكبير ادوار جيبون وأرنولد توينبي وجورج بوسكيه وما رصده ابن بطوطة وابن خلدون وابن الأثير وابن حزم والامامين الغزالي وابن سيناء من تأكيد قيمة اللغة واستخداماتها المتنوعة في خلق التوحد مع عناصره النامية الأخرى تماما مثلما أكد الزعيم الديني الاصلاحي جمال الدين الأفغاني الذي قال - رغم توجهه الاسلامي الخالص - على أن اللغة قبل الدين هي الأساس الكافي في الدرجة الأولى الذي يمكن أن تقوم عليه وحدة جنسية ودولية تجمع كل من يتحدثون بها بينما الدين عامة والاسلامي خاصة نزل لكافة البشر ينطقون بالعربية أو بغيرها من اللغات ذلك أن الأصل عند الله إن أكرمنا عند الله أتقانا وليس أعربنا أو أبيضنا.. تماما كما أكد الرسول محمد عليه الصلاة والسلام من أنه لا فضل لعربي على أعجمي.. إلا بالتقوى. فإذا انتقلنا الى المضمون العام الثابت مبدئيا للخطاب الاعلامي لثورة 23 يوليو فيما يختص بالشق القومي منه: فإننا نجد أنفسنا أمام عدة توجهات أبرزها: الدعوة الى تحرير الوطن العربي من كافة صور الاستعمار والاستغلال والاستبداد، والالتزام اليومي الايجابي بهموم الأمة عامة وكذلك المعاناة الخاصة لكل شعب من شعوبها، وصلابة المثابرة الصامدة لمخططات الصهيونية والامبريالية اللتين تمثلان الوجهين للعملة الواحدة المعادية للعرب، مع التوجيه السببين الحذر لاحتمالات التطور الى الضد التي يمكن أن ترد على مواقف التأييد والدعم من كتلة الدول الشيوعية آنذاك، بالاضافة الى التأكيد على أن التطلع الى وحدة العرب لا يعني مجرد امتداد جغرافي وإنما هو مصلحة عربية اقتصادية وأمنية في الدرجة الأولى من حيث أن تجميع القدرات العربية جميعا في أي شكل من أشكال التوحد أساس قوة وعنصر أمن ومصدر عزة وتقدم ومكانة رفيعة بين الأمم ومسيرة التاريخ. ولقد كان من الطبيعي - والصراع مع الآخرين يتعرض مع الأحداث لعمليات الشد والجذب - فقد فرضت السياسات التكتيكية على الخطاب الاعلامي ملاحقتها ومسايرتها وتحقيق أغراضها المرحلية، ومن ذلك على سبيل المثال تجاهل الخطاب الاعلامي في أعقاب العدوان الثلاثي سنة 1956 للعداء الأمريكي السافر السابق عليه وعلى تأميم عبدالناصر لقناة السويس ثم العودة الى عنف المواجهة مع واشنطن اثر اصرارها على فرض مشروع ايزنهاور المشابه لحلف بغداد بدءا بلبنان والأردن والسعودية، وكذلك ما أبداه الخطاب الاعلامي من استياء قومي لتحفظ الاتحاد السوفيتي على الانتشار الناصري القومي بتوحيد سوريا ومصر سنة 1958 واحتضانه لعداء خالد بكداش رئيس الحزب الشيوعي السوري، وكذلك ما شاب الخطاب الاعلامي الغالب الثورية من قصور محدود إثر دعوة عبدالناصر يوم 23 ديسمبر سنة 1963 الى سياسات القمة العربية. ورغم هذه المنحنيات في الرسم البياني صعودا وهبوطا لثورية الخطاب الاعلامي الناصري فإن الخط الصاعد الدائم الدعوة للنضال كان دائما لا يلبث أن يفرض نفسه.. ولعل أدق الانعكاسات المبدئية في هذا الشأن الوقفة القومية - العسكرية والحضارية - مع ثورة اليمن سنة 1962 والتضامن الكامل مع عراق الثورة ضد تهديدات الغرب بشاه إيران، وكذلك صعود خط الرسم البياني للثورية الأصيلة الصامدة لعبدالناصر وخطابه القومي والذي عبر عنه وجسده الشعاران اللذان عبر عنهما جمال عبدالناصر وهو المهزوم المثخن بالجراح في يونيو 1967، وأولهما: لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، وثانيهما: ما أخذ بالقوة لا يسترد بغير القوة، ففي الأول معركة يجب أن تسخر فيها كل قوى الأمة بدءا من القدرة العسكرية الاقتصادية الاجتماعية الى البطولات الاستشهادية كما يحدث اليوم في فلسطين حيث لا تكافؤ بين القوة الاسرائيلية الأميركية والعجز المهين العربي فيما عدا عظمة المثابرة ولو بالاستشهاد الذي يكسب كل يوم لصالح فلسطين ما لم تكسبه حروب العرب جميعا.. أما الشعار الثاني فالوضوح الثابت فيه لمفهوم طبيعة الصراع العربي الاستعماري الصهيوني يعني أمرا واحدا يستند الى الإصرار النضالي. وفي الختام من المثير للشجن والأسف أن نجد اليوم سنة 2002 العديد من أجهزة الاعلام المختلفة الأساليب التي تتنافس فيما بينها على كسب المتلقين من خلال خطابات اعلامية تشرذمية استسلامية، في نفس الوقت الذي نمارس فيه توجيه خطاب اعلامي هدام - وكأنها عرائس يحركها وينطقها ألد أعداء العروبة - تستهدف تدمير جميع منجزات الخطاب الاعلامي الناصري بقومية وثورية وما أنجزه من انتصارات تحررية واقتصادية واجتماعية على امتداد الوطن طوال الخمسينات والستينات حتى وفاة عبدالناصر وتحت مسمى النقد الذاتي مرة وهزيمة يونيو مرات متجاهلين عن عمد وليس عن جهل شموخ الثورة الفرنسية وتوارث مبادئها وسيادتها رغم احتلال أعدائها الأوروبيين لعاصمتها باريس مرتين على عهد نابليون بونابرت وكذلك انتكاسة الماجناكارتا البريطانية المنتزعة من حلق الملك يوحنا ثم استقرارها وثبوتها والاستزادة من مكاسبها الشعبية والديمقراطية وخاصة مع ثورة البيوريتان في القرن السابع عشر، وهذه أمور تجعل المراقب للخطاب الاعلامي سنة 2002 يرى خلفه توجها محليا وخارجيا يتجاهل ما يحب أن يكون عليه الخطاب الاعلامي لأمة في أدنى حالات الدونية والمهانة سياسيا واقتصاديا رغم مظاهر الاستقلال والثراء الخادع عند البعض، ويحضرني في آخر هذا البحث قول خبير الاعلام الأميركي «جور فيدال» ومنذ ثلاثين عاما 1081972 على وجه التحديد ضمن كتاب له يحذر من خطورة الخطاب الاعلامي المضلل: من أن فعالية سيطرة النخبة السياسية الاقتصادية الحاكمة في الولايات المتحدة على أجهزة الاعلام يمكن أن تزودها بقدرة مدمرة تجعلها بواسطة الأجهزة الاعلامية قادرة على اقناع الشعب بالتصويت ضد أكثر مصالحه حيوية. وقانا الله شر مثل هذه النخبة وتضليل مثل هذا الخطاب الاعلامي. ـ الرئيس الأسبق لاذاعة صوت العرب