الجولة الثانية للمفاوضات بين الحكومة السودانية و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» مخصصة للانتقال من العناوين العريضة الى التفاصيل الشائكة، لحسم القضايا ذات الحساسية العليا التي لم يتضمن بروتوكول ماشاكوس الا خطوطا عريضة مبهمة بشأنها وفي مقدمة هذه القضايا اقتسام الثروة واقتسام السلطة. لكن حتى لو افترضنا ان ضغوط الوسيط الاميركي سوف تضطر الطرفين ـ خاصة الطرف الحكومي ـ الى تنازلات جسيمة من اجل بلورة اتفاق نهائي لوقف الحرب والشروع في الترتيبات العملية للمرحلة الانتقالية، فانه من غير المتصور ان يصمد على الصعيد العملي اتفاق لا يمثل اي من طرفيه سوى اقلية سياسية سواء في الجنوب او الشمال. فالجيش الشعبي لتحرير السودان بزعامة جون قرنق لايمثل الا قبيلة جنوبية واحدة ـ الدينكا ـ او بالاحرى فرعا واحدا من قبيلة تتكون من 17 بطنا، و«نظام الانقاذ» لا يمثل في الشمال سوى حزب سياسي واحد يأتي في المرتبة الثالثة بين منظومة الاحزاب التقليدية، بعد «حزب الامة» و«الحزب الاتحادي الديمقراطي». ومما يقال في تقريظ بروتوكول ماشاكوس ان تطبيقه (بعد الاتفاق النهائي اذا تبلور اتفاق نهائي حقا في الجولة التفاوضية الثانية) يحظى بضمانة من القوة العظمى الاولى في العالم ومن ورائها الاتحاد الاوروبي، وهنا يطرح سؤال: الى متى تصمد هذه الضمانة في وجه معارضة الحزبين الكبيرين في الشمال وقبائل النوير والشلك في منطقة اعالى النيل وفروع قبيلة الدينكا الاخرى في منطقة بحر الغزال التي لا ينتمي اليها قرنق، بالاضافة الى قبائل منطقة الاستوائية: الزاندي والمورو واللوتوكا؟ على ان مثل هذه المعارضة تبقى احتمالا للمدى البعيد، اما الاختبار الاول لمدى واقعية ورصانة الصفقة المبدئية التي نجحت واشنطن في عقدها بين «نظام الانقاذ» وجيش قرنق، فسيأتي خلال الايام المقبلة عندما يجلس الطرفان للبحث التفصيلي حول اقتسام الثروة واقتسام السلطة. من حيث اقتسام الثروة يريد قرنق للجنوب ان يستأثر وحده بموارد الثروات الطبيعية الموجودة داخل نطاقه الجغرافي.. وفي الوقت نفسه اعتبار ثروات الشمال الطبيعية وغير الطبيعية ثروات «قومية» تقتسم بين الجانبين! اما اقتسام السلطة فيعني في تصور قرنق انفراد الجنوبيين بحكم الجنوب مع مشاركة الشماليين في حكم الشمال، اعتبار ان مؤسسة السلطة المركزية في الخرطوم مؤسسة «قومية». واذا انتقلنا من مجال التنظير الى مجال التطبيق فان لدينا مثلين لفلسفة اقتسام الثروة والسلطة كما يراها زعيم «الجيش الشعبي لتحرير السودان» فآبار النفط الواقعة داخل الحدود الجغرافية حاليا ومستقبلا ملك خالص للجنوبيين.. اما تلك التي تقع الآن او في المستقبل في الشمال فانها ملك مشاع للجميع، جنوبيين وشماليين في آن معا. ووفقا لهذه الفلسفة ايضا يجب اقصاء القوات المسلحة الحكومية عن اراضى الجنوب نهائيا مع احتفاظ قرنق بجيشه كقوة عسكرية جنوبية، واذ يحظى الجنوبيون بحكومة جنوبية خالصة تنفرد بحكم الجنوب تحت مسمى «الحكم الذاتي» فانه يحق لهم ايضا وفي الوقت نفسه المشاركة الفاعلة في اي تشكيل وزاري على «الصعيد القومي». لقد باع جون قرنق حلفاءه الشماليين في «التجمع» المعارض ليحقق عقد صفقة مع الحكومة بترتيب اميركي لكنه يتوقع نظير ذلك «مكافأة» من الطرف الحكومي لا تتمثل فقط في تسليم الجنوب للجيش الشعبي لتحرير السودان بل تتعدى ذلك لتشمل مشاركة هذا الجيش ايضا في حكم الشعب الشمالي ومشاركته في ثرواته مع حرمان الشمال من المشاركة في ثروات الجنوب. بكلمة واحدة فان توقف الحرب ـ لو توقفت فعلا ـ لن يعني بالضرورة توقف الاستنزاف المالي للشمال فالاستنزاف سوف يتواصل تحت عنوانين جديدين: «اقتسام الثروة» و«اعادة اعمار الجنوب».