الاصرار الاميركي على تغيير الرئيس العراقي صدام حسين هي قولة حق يراد بها باطل وتكشف عن بلطجة وقرصنة وارهاب أميركي لا يخدم سوى المصالح الاميركية، والرغبة الحقيقية لتطبيق خطة استراتيجية لتغيير شكل الخريطة السياسية بمنطقة الشرق الأوسط ترمي في النهاية لاحكام القبضة الأميركية في أهم بقعة جغرافية فيه، مع تأكيد الحماية المطلوبة لسرطان دولة الاحتلال «الاسرائيلي» القابع كالمسمار في الجسد العربي. وهذا الأمر أكده فعلاً جون بولتون وكيل وزارة الخارجية الاميركية قائلاً ان الخطر الذي يمثله «صدام» على مصالحنا ومصالح أصدقائنا والجيران في المنطقة وللأمن والسلام كبير، لذلك يجب استئصال هذا «الخطر» وهو الموقف نفسه الذي أكده ايضاً شين مكورماك المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأميركي بالقول ان مسألة تغيير النظام في بغداد لا ترتبط بقضية عودة مفتشي الأسلحة النووية. ولعل تصريحات كولن باول وزير الخارجية الاميركي، رداً على تجاوب العراق تحت الضغوط والوساطة الروسية للقبول بعودة المفتشين تحسم الموقف الاميركي في مجمله وتكشف عن تناقض فاضح للسياسة الأميركية في المنطقة، حيث قال ان تغيير النظام العراقي هو الحل الأفضل، والهدف يجب ان يكون نزع الأسلحة وازالة جميع مصادر أسلحة الدمار الشامل في العراق. ولكن الموقف الاميركي نفسه يتهرب من السؤال الملح والواضح، وهو: لماذا تغض الولايات المتحدة الطرف وتسخّر الأمم المتحدة ومجلس الأمن لعدم التجاوب مع دعوات التفتيش عن أسلحة الدمار الشامل لدى دولة الاحتلال الاسرائيلي، والتقارير تكشف ان لدى اسرائيل ترسانة نووية كافية لارهاب كل الجيران ودول المنطقة خاصة ان بحوزة اسرائيل أكثر من 400 رأس نووية أسلحة الاحتلال قادرة على تحميلها، ولماذا تختبيء دول الحلفاء التي تنبح مع نباح جورج بوش الرئيس الاميركي وتسير دولة مثل بريطانيا في الذيل الأميركي، أو كما قال النواب البريطانيون : «توني بلير.. لا تسير كالكلب وراء بوش ولا تجعل بريطانيا تمارس دور الخادمة للولايات المتحدة»!! وإذا كانت الولايات المتحدة قد قررت ان تقوم بفعل الخير تجاه الشعب العراقي وتسعى لتغيير رئيسه، فهل سألت دولاً أخرى عمن يريد تغيير نظامه، فربما كثيرون يطلبون ذلك؟ ولكن المأزق الأميركي سيقع في براثن ذنوبه ونواياه فهي تسعى لتغيير الزعماء التابعين سواء لدول العالم المختلفة أو بالنسبة لدول الجوار الاسرائيلي. إذن المصالح الاميركية هي التي تحسم الأمر، فهي تريد زعماء تابعين مباركين لسياساتها تسعى هي من جانبها لتمكينهم من كراسيهم على صدور شعوبهم وليس من أجل عيوان الديمقراطية وحدها. أما السؤال الثاني، فهو: لماذا لم تقم الولايات المتحدة الاميركية بضرب عصفورين بحجر واحد خلال حربها مع العراق وتحرير الكويت؟ أي لماذا لم تسع لازالة صدام حسين وتغيير النظام في العراق؟ ولكن الاجابة واضحة تماماً عن ذلك، فالخطة الخمسية لوزارة الدفاع الأميركية «البنتاغون» آنذاك كانت لاحكام قبضتها على المنطقة وتوسيع رقعة تواجدها مع زوال الاتحاد السوفييتي في تلك الفترة وحل حلف وارسو، بالاضافة الى ان وجود صدام قدّم العديد من الخدمات الجليلة للمصالح الأميركية دون اتفاق، على رأسها رواج تجارة السلاح الأميركي حيث ان حجم مبيعات السلاح الاميركي قبل حرب الخليج الثانية بأشهر قليلة لم تتجاوز 20 مليار دولار وبعدها بأشهر قليلة تجاوزت 200 مليار دولار ومازالت تتضخم، إذن وجدت الولايات المتحدة ان صدام بشكل خفي يخدم الغاية الكبرى لجوهر المتطلبات في منطقة الشرق الأوسط. وإذا كانت مسألة ضرب العراق هي مجرد وقت، أو كما قال طه ياسين رمضان نائب الرئيس العراقي ان الولايات المتحدة ستضرب العراق بصرف النظر عن عودة المفتشين من عدمها، فإن ما يؤكد ذلك هو التصريحات الهزلية لقائد الحرب الوهمية ضد الارهاب جورج بوش حيث يقول انها مسئولية أمام التاريخ ألا يسمح بتملك أسوأ قادة الأرض لأسلحة الدمار الشامل كي يبتزوا الأمم المتمسكة بالديمقراطية، ونحن بدورنا نسأل بوش: لماذا تسمح انت وأسلافك بابتزاز ثروات العالم تحت دعاوى اثارة مشكلات هنا وهناك؟ ولماذا تسمح للطائرات الأميركية أن تدك مدنيين عزلاً لا حول لهم ولا قوة، وإذا ضحوا بأنفسهم كأغلى ما يملكون للمقاومة ضد الاحتلال اعتبرتموها ارهاباً!! انه منطق القوة المتغطرس الذي يجعلكم تلوون رقاب الحقائق وتمارسون الارهاب وتقنعون التابعين لكم بأنه المصل الواقي لمقاومة المارقين عنكم. ولكن الأمر بالنسبة للعرب جد خطير، فالمسئولية التاريخية ثقيلة أمام الأجيال القادمة لأن الوضع الراهن للعرب مخز وواهن كبيت العنكبوت أو كأن القادة نسوا اننا نعيش سياسة الغاب فلم نعد العُدة على سبيل الاحتياط، وعاش الشعب العربي على مدى قرون داخل أقفاص حديدية اقتلعت حقوقهم الانسانية والديمقراطية فأوجدت الهوان الذي نحن فيه والذي لا يجب في الوقت نفسه ان يستمر، ويتطلب الأمر ان نصحو من سباتنا العميق وننهض على خلفية حب أوطاننا لا حب أنفسنا وعبادة كراسي الحكم!