ما الجديد الذي أضافه الحفيد إلى ما سبقه إليه الجد؟ سؤال ضمن أسئلة كثيرة يمكن ان تطرحها وانت خارج من مشاهدة فيلم «آلة الزمن» في نسخته الجديدة للمخرج «سايمون ويلز» حفيد كاتب القصة الشهيرة الروائي والمؤرخ البريطاني وأشهر من ألف في قصص الخيال العلمي «اتش.جي. ويلز». ولئن كانت روايات ويلز الخيالية الأخرى «تونو بونجاي» و«حرب العوالم» و«شكل المستقبل» لم تحظ بالشهرة نفسها التي حظيت بها روايته «آلة الزمن» المنشورة عام 1895 فما ذلك إلاّ للدور الذي قامت به السينما في الترويج لها من خلال تحويلها إلى فيلمين سبقا هذا الفيلم، كان آخرهما عام 1960. في الرؤية الجديدة للحفيد يدور الفيلم حول العالم العبقري «الكساندر هارتدجين» الذي يقوم بدوره الممثل و«غاي بيرس». وكما هي الصورة النمطية المرسومة للعلماء، يظهر بطل الرواية منذ البداية منغمساً في أبحاثه ودراساته حيث تتوارى عاطفته خلف صنع مجده العلمي، ومع ذلك، ولعلها من حسنات الفيلم التي تحسب له، تنطلق شرارة الفكرة والحماس لها من خلال أو على خلفية موقف عاطفي عندما يذهب «الكساندر» لمقابلة الفتاة التي أحبته حاملاً لها خاتم الخطوبة، وفي موقف أو مشهد أرى أنه أقرب إلى السذاجة تقتل الفتاة على يد لص حاول انتزاع الخاتم من يدها. وتحت تأثير الحالة النفسية التي تعرض لها العالم نتيجة فقده لخطيبته، ينطلق في ابحاثه ليصل في مدة وجيزة إلى صنع الآلة التي يستطيع بواسطتها التنقل عبر الزمن لإرجاع عجلته إلى الوراء بهدف تغيير مسار ما حدث والحيلولة دون موت خطيبته، ورغم نجاحه في اختراع الآلة والعودة إلى اللحظة التي سبقت حادثة القتل إلاّ أنه يفشل في تغيير النتيجة رغم اختلاف الصورة، إذ يذهب بخطيبته إلى وسط المدينة بدلاً من المنطقة المعزولة التي كمن لهما فيها اللص القاتل في اللقطة الأولى، وفي اللحظة التي يتركها فيها على رصيف الشارع المقابل ويدخل محلاً لبيع الزهور كي يحضر لها الباقة التي وعدها بها، تأتي عربة يجرها حصان لتدوسها وتموت أيضاً! هنا يقرر العالم الانتقال إلى المستقبل بحثاً عن إجابة وتبرير لفشله في تغيير الماضي. وعلى مسافة أكثر من 800 ألف سنة من الزمن الذي كان يعيش فيه، في عام 802701م بالتحديد تبدأ مغامرته الحقيقية، إذ يكتشف أن العالم قد تغير تماماً وانقسمت البشرية إلى جنسين مختلفين، أحدهما شعب «إلوي» المسالم الذي يسكن في أكواخ غريبة على منحدرات الجبال السحيقة، والآخر شعب الـ «مورلوكس» الشرير الذي يسكن تحت الأرض وليشن غارات على شعب «إلوي» حيث يخطف في كل مرة عدداً من أفراده ويغوص بهم في باطن الأرض ليتغذى عليهم. في هذا الزمن الخيالي المتناهي البعد يصادق «الكساندر» امرأة من شعب «إلوي» تدعى «مارا» تقوم بدورها الممثلة «سامانثامومبا» لكنها تتعرض للاختطاف من قبل الـ «مورلوكس». وهنا يثور العالم القادم من الماضي على شعب «إلوي» المستسلم لقدره العاجز عن تغيير واقعه (لاحظ ذلك) ويصر على الهبوط إلى عالم الـ «مورلوكس» المظلم محاولاً إنقاذ «مارا». وهناك يلتقي قائدهم الأكبر الذي يقوم بدوره «جيريمي آيرونز» ومنه يكتشف السر الذي منعه من تغيير الماضي. فما هو هذا السر الغامض؟ هذا ما سنعود إليه بعد محاولة التعرف على الزمن الذي يشكل أحد أعمق ألغاز العالم، ولا يستطيع أحد تحديد ماهيته بالضبط رغم أهميته في ضبط إيقاع الحياة. فلو تخيلنا مثلاً عالماً بلا زمن لأصبح هذا العالم اللازمني في توقف تام كما يقول العلماء، إذ أن حدوث نوع من التغيير يجعل ذلك العالم اللازمني مختلفاً عما كان عليه سابقاً، والفترة ـ مهما كانت وجيزة ـ بين الماضي والحاضر تشير إلى أن الوقت يجب أن يكون قد مضى. فالوقت والتغير مرتبطان بعضهما ببعض، لأن مضي الوقت يعتمد على التغيرات الجارية. ولا تتوقف التغيرات عن الحدوث مطلقاً في العالم الحقيقي. ولأن العلماء يعتقدون أن الزمن كمية اساسية يمكن قياسها كالطول والكتلة، فقد أدرك الفيزيائي الشهير «البرت اينشتاين» تأثر قياس هذه الكميات بالحركة النسبية وأصبح الزمن على يده معروفاً بالبعد الرابع. وفي إطار كسر حاجز الزمن أو البعد الرابع ـ بالعودة إلى الماضي أو الانتقال إلى المستقبل ـ دارت روايات كثيرة وشاهدنا أفلاماً عدة جعلت هذه الفكرة محورها. ففي «كيت وليوبولد» ينتقل بطل الفيلم الدوق «ليوبولد ماونتباتن» من عام 1876 إلى عام 2001 عبر ثغرة في الزمن لتدور أحداث الفيلم، ثم يعود إلى زمنه في نهايته. وفي «ما قبل الزمن» تتحول الساعة غريبة الشكل التي عثر عليها بطل الفيلم وصديقته إلى آلة ذكية تمكنهما من اختراق الزمن والرحيل إلى ما وراءه فيوظفان تلك الآلة بطريقة تجعلهما شخصين غير مرئيين يغامران في الحياة الواقعية ويقعان في مواقف طريفة وغريبة. وفي «مجرد زيارة» ـ الذي يعد إعادة إنتاج بواجهة أميركية للفيلم الفرنسي الذي أنتج عام 1993 ـ ينتقل بعض أعضاء مجلس الحكم في فرنسا القديمة من القرن الثاني عشر إلى وقتنا الحاضر بسبب خطأ في آلة للتنقل بين الزمن صنعها أحد السحرة مما يوقعهم في عدد من المواقف الطريفة والمفارقات المضحكة أثناء محاولتهم العودة إلى زمنهم الذي أتوا منه. وهكذا نعود إلى السؤال الذي توقفنا عنده في منتصف المقال عن السر الغامض الذي منع «الكساندر» من تغيير الماضي حيث يأتي الجواب على لسان قائد الـ «مورلوكس» الأكبر الذي يوجزه في عبارة من ستة أحرف وعلامة استفهام «ماذا لو؟». هكذا يصدمه بالحقيقة، إنها الرغبة في التدخل في القدر وتغييره. وذلك حلم مستحيل لن يتحقق مهما تقدم العلم، قد يصبح أمر الانتقال عبر الزمن حقيقة، وقد يغادر الانسان يوماً ما حاضره عائداً القهقرى الى الماضي أو مندفعاً إلى الأمام حيث المستقبل، لكنّ ثمة شيئاً واحداً لن يتحقق له، ذلك هو التدخل لتغيير قدره. إنها النتيجة المؤكدة لصراع العلم مع الغيب. سوف يظل الزمن هاجساً يلح على عقول البشر جميعاً وليس العلماء منهم فقط، ولئن كان في اختراق حاجزه إرضاء لغرور العلماء فإن فيه لسائر البشر الإجابة عن كثير من الاسئلة التي تئن من حملها رؤوسهم. ولو أنك سألت كل اولئك الذين شاهدوا معك أو قبلك وبعدك الفيلم عن الزمن الذي يتمنون الانتقال إليه فيما لو امتلكوا هذه الآلة الحلم لما تمنوا جميعاً إلاّ العودة إلى نقطة البداية.. إلى ذلك الزمن البريء.. زمن الطفولة. ولكن هبك قد عدت إلى تلك النقطة.. فما الذي يضمن لك أن تتوقف عندها فلا تجرفك العجلة مرة أخرى لتعود بك إلى حيث انتهيت؟ ومن قال إنك لن تكرر الأخطاء نفسها التي ارتكبتها عبر مسيرة حياتك؟ بل من قال إنك لن ترتكب أخطاء أكبر منها؟! ثم من قال ـ أخيراً ـ إنك أول أو آخر من قام في هذا العالم مردداً ـ بينه وبين نفسه على الأقل ـ «ماذا لو؟» ثم وقف على عتبة بوابة الزمن حائراً بين الرغبة الملحة في إعادة العجلة إلى الوراء لترميم ماضيه الخرب، والعجز التام عن دفعها إلى الأمام لرؤية مستقبله المجهول؟ اولئك الذين اطمأنت نفوسهم إلى أنهم لن ينالوا أكثر مما هو مقدر لهم، وأيقنوا بأنه لن يصيبهم إلاّ ما كتب الله لهم، هم الوحيدون الذين أوتوا الحكمة «ومن يؤت الحكمة فقد أوتي خيراً كثيراً» فما أسعد ذوي النفوس الراضية المطمئنة، وما أتعس أولئك المنشغلين بإعادة أزمانهم إلى الوراء وتغيير أقدارهم!