الدارس لبيانات وقرارات ضباط ثورة يوليو 1952 خلال الشهور الأولى وحتى مارس سنة 1953 لا يجد نفسا له شهقة عروبة وزفيره قومية، فيما عدا تلك العبارة التبريرية في بيانهم الأول وبعض تصريحاتهم التالية بأن من أسباب حركتهم هزيمة الجيش في حرب فلسطين، مما جعل كثيرين يرون في هؤلاء الضباط شبهة إنكفاء على الذات المصرية مع احتمالات انشغالهم بمفهوم عسكري ينزع الى السلطة والانفراد رويدا بحكم مصر وخاصة عندما دعوا ورحبوا يوم 11 ديسمبر سنة 1952 بطاغية سوريا عقيد الجيش أديب الشيشكلي الذي كان قد أحكم قبضته العسكرية على الشام وبدأ في ملاعبة ومطاردة أنصار العروبة من بعثيين وقوميين. غير أن مارس سنة 1953 حمل الى التاريخ بشرى التوجه الحاسم والصريح للعمل القومي.. بذلك الكتيب الصغير الذي نشره جمال عبدالناصر وحمل اسم «فلسفة الثورة» ونص فيه فيما نص من توجهات الضباط الأحرار على أن التحرك المصري - الحق والواجب - يفترض أمنا وحياة بأن يكون داخل دوائر أربع تعنينا منها في هذا المبحث الدائرة العربية.. ثم تلا ذلك البيان الثوري البالغ الوضوح إنشاء المخابرات العامة وتكوين قسم بداخلها يختص بالشئون العربية ورأسه منذ البداية ـ اليوزباشي في ذلك الوقت - فتحي الديب والذي لعب في الخفاء مع زملائه في الشئون العربية أروع الأدوار في دعم ثورات التحرير في الوطن العربي وأيضا إيران، وذلك بدءا من 31 مارس سنة 1952 على وجه التحديد عقب اعتماد عبدالناصر شخصيا لحظة العمل التحرري القومي، والتي كان البند الأول فيها والذي ضم أربع نقاط رئيسية إنشاء اذاعة خاصة متفرغة تفرغا كاملا لتغطية شئون الوطن العربي باسم «صوت العرب». ونفذ النقاط الأربع التي أوردها فتحي الديب في تصوره الأول لما اسماه - بخطة العمل المقترحة لفرع الشئون العربية - ما يمكن أن يعتبر المضمون الابتدائي للخطاب الاعلامي القومي لثورة 23 يوليو مما يجدر بنا عرضها في هذا البحث: 1ـ العمل على احترام المواطن العربي وتوعيته بكافة المخططات التآمرية التي تدبر ضده. 2ـ إيضاح أهداف ثورة 23 يوليو التحررية. 3ـ تناول مشاكل الوطن العربي وتحليلها، مع التصدي لكل التصرفات الخاطئة للسلطات العربية الحاكمة بما فيها حكومة الثورة بمصر إذا ما أخطأت، ليقتنع المواطن العربي أن هذه الاذاعة هي بالفعل تجسيد حقيقي وتعبير صادق عن آماله وآرائه. 4ـ البدء في الاذاعة بفترة قصيرة زمنية ويزداد بالتدريج وقت ارسالها. ويدين الخطاب الاعلامي من صوت العرب في جانب كبير من تميز نجاحه الى النقطة الثالثة في خطة العمل السابق الاشارة الى تفاصيلها رغم أنها كانت محل أكثر من حوار مع الرئيس جمال عبدالناصر حتى أنه أشار على هذه النقطة بخط يده بعلامة استفهام على النسخة الأصلية من خطة فتحي الديب للعمل العربي ثم أقرها واعتمدها أسلوبا وسلاحا لصوت العرب، أما الحوار الثاني والثالث فقد كان بين عبدالناصر وكاتب هذه السطور وأولهما في 5 يناير سنة 1964 بشأن رأيه في الامتناع في صوت العرب عن التعليق مؤيدا لفكرة عبدالناصر في عقد قمة عربية تاركا الحديث عنها لزميليه محمد عروق ومحمد أبوالفتوح، وثانيهما عندما ترك عبدالناصر كاتب السطور يذيع يوميا في فجر رمضان سنة 1384ه، (يناير وفبراير 65) أحاديث ذات مضمون مغاير تماما لفكر الرئيس دون أن يطلب منعه تقديرا منه لحرية التعبير اللازمة لنجاح الخطاب الاعلامي الثوري لصوت العرب كما ردد في مجلس الأمة يوم 25 فبراير سنة 1956، وهو الأمر الذي حرص دائما عبدالناصر على أن يوفره للخطاب الاعلامي الموجه للمنطقة العربية رغم ضغوط بعض المحيطين به من أصحاب السلطة وكثيرين من الكتاب ذوي النفوس المرتجفة خشية ونفاقا، مما أضفى على الخطاب الاعلامي العربي حجية مؤثرة حتى منتصف سبتمبر سنة 1967 كشفت سوءات أنظمة عربية وأسهمت كثيرا في فضحها وتصفية بعضها وتصحيح متفاوت لمسارات بعضها الآخر مثل انهيار الملكية ونوري السعيد في العراق وحكم كميل شمعون في لبنان ونظام حميد المتخلف في اليمن وافتقاد السعودية لميزانية عصرية حضارية حتى بدأ الملك فيصل اثر انفراده بالسلطة في تغيير أساليب الانفاق لأموال البترول المتزايدة. مضامين الخطاب وقد شَقت في البدء كثيرا عملية الاستقرار على خطاب اعلامي بشقيه الرئيسيين من حيث المضمون العام والمضامين الفرعية، ومن حيث الصيغة العامة والصيغ الفرعية كذلك وطرق أدائها الحرفي لمختلف المتلقين من الخليج الى المحيط بمختلف مستويات مداركهم اللغوية والاجتماعية وأنواع ثقافات المتعلمين منهم وجذورها المغرقة أحيانا في العربية أو الفرنسية أو الانجليزية أو الايطالية أيضا بحكم الظروف الاستعمارية فيما بين بلاد المغرب وسوريا ولبنان فرنسيا ومصر والسودان والعراق وفلسطين والأردن وكل الجزيرة العربية انجليزيا بالاضافة الى ليبيا ايطاليا والتراكمات العرقية الكردية مثلا في العراق والافريقية في السودان والبربرية في شمال افريقيا وخاصة في الجزائر والمغرب. وقد فرضت أمانة المسئولية القومية والعمل الاعلامي الوليد (صوت العرب) في سبيل الدعوة الى حركات تحرير واحتمال ثورات تسيل فيها دماء إخوة شهداء ويأتي خلالها الدمار والخراب ويتطلب النصر جلدا وصبرا ومثابرة واستمرارا أن نضع نصب أعيننا أن الخطاب الاعلامي التحرري الثوري عملية متصلة متوالية التضحيات تتابع أخطار أي خطأ فيها على امتداد الزمان والمكان، فالشحن الثوري في غير موضعه أو انه قد يودي بحياة مناضلين في غير عائد تحرري مطلوب، وتوجيه نداء بالتهدئة في غير ظرف محسوب ومطلوب قد يفقد الثوار تدفقا مرغوبا في مسيرة النضال، وتحليل موقف دون تنسيق مع قيادات الثورة في المغرب أو الجزائر أو لبنان أو العراق أو جنوب الجزيرة حيث عدن قد يأتي بمردود يفسر على الشعب ذاتيا وعالميا ثمرات تضحيات جسام. وكذلك فرضت أمانة مسئولية الخطاب الاعلامي الثوري التحرري من ناحية والقومي الوحدوي من ناحية أخرى ضرورة مراعاة اختلاف المجتمعات العربية في درجات القبول والرفض وكذلك الحذر عند تلقيها أو تعاملها مع الأحداث التي تفرض عليها ثوريتها احتمال وقوع ردود أفعال محلية وخارجية في تحديها لقوى السلطة الاستعمارية بجبروتها وقدراتها العسكرية الهائلة والدعم العميل الذي تلقاه من أعوانها أمثال نوري السعيد في العراق والجلادي باشا في مراكش. كما أن الدراسات الاجتماعية وكذلك العرقية لجذور شعوب البلاد من الخليج الى المحيط فرض ضرورة مراعاة أمرين في تحديد الخطاب الاعلامي.. وأولهما: أهمية الالمام المتكامل والدقيق بتفاصيل الجزئيات المكونة لشخصية كل شعب وكل جماعة من الشعب بهدف التعرف على ما يمكن وصفه بنوعياتها المسامية وقدراتها الامتصاصية للتوجه الثوري والوحدوي من جهة والصمود لردود الأفعال الوحشية والتآمرية المتوقعة من أعداء الداخل والخارج بما يضمن استمرار النضال الثوري وتدفق زخمه، وثانيهما: معرفة الجزئيات المتشابهة في هوية مختلف الجماعات العربية والجزئيات الأخرى التي تتميز بها وتنفرد جماعة عن غيرها من جماعات الوطن على امتداد الساحة العريضة العميقة آسيويا وافريقيا، بالاضافة الى الأبعاد العرقية والدينية والمذهبية أيضا بما فيها التراكمات السابقة على الاسلام وعلى العروبة. وهنا.. وأمام ضخامة المسئولية: يتقرر في صوت العرب البحث عن مفردات الهوية العربية التي تجمع كل الشعوب من الخليج الى المحيط، وكذلك التركيز على دراسات فاحصة للاختلافات الاقليمية والعرقية والتي ينميها المستعمرون لتحطيم المزيد والمزيد من عناصر التوحد العربي الواجب والحتمي المفروض، وإذ يدور جدل كثير بين رغبة المخابرات العامة في سرية الأبحاث والتقارير وبين حتمية تبادلها بين المختصين والدارسين في وجهة نظر صوت العرب ويعلم زكريا محيي الدين عضو مجلس الثورة المشرف على المخابرات بأمر هذا الجدل فيعرضه على جمال عبدالناصر الذي يأخذ قرارا فوريا بتجاوز هذا الجدل الشكلي وتوسيع قاعدة البحث لتشمل أكبر عدد من علماء التاريخ والاجتماع وكبار المفكرين المصريين وقيادات اللاجئين العرب في القاهرة وبعض المتعاطفين من القوميين العرب والأحزاب الوحدوية فذكر منهم الدكاترة محمد شفيق غربال وعبدالحميد العبادي وابراهيم سلامة وحسين نصار من مصر، وصائب سلام وكمال جنبلاط وحميد فرنجية من لبنان، ورشيد عالي الكيلاني من العراق، وصالح بن يوسف ومحمد صالح من تونس ومحمد خيضر وحسين آية أحمد وأحمد بن بلا من الجزائر، وعلال الفاسي وعبدالحميد بن جلون من المغرب، وأحمد نعمان ومحمد محمود التبريري من اليمن، وشيخان الحبشي وعمر علي الجفري من جنوب الجزيرة وعدن، كما أسهم في دعم عملية تحديد الخطاب الاعلامي لثورة 23 يوليو في صوت العرب وبطريق غير مباشر الدكتور عبدالرحمن بدوي من خلال تقرير زود به السفارة المصرية في باريس تضمن رأيا للهوية الاسلامية لأبناء شمال افريقيا في رؤية المستشرق الفرنسي الكبير صاحب الآراء الحرة المنصفة لويس ماسينيون - Louis Massignon - المحاضر بالسوربون بفرنسا والأزهر بمصر، كما تضمن رأيا آخر للمستشرق ضابط المخابرات الفرنسية المتعصب ليفي بروفنسال Levi Ptovencal- وكان دائم النصح لحكومات الاستعمار بضرب التعليم الديني الاسلامي في الجزائر بالذات ومضاعفة الهجرات الجزائرية الى فرنسا بهدف تغريب الشعب عن دينه ووطنه ومصادر رزقه. تأثيرات الخطاب وقد إكتمل البحث عن الخطاب الاعلامي كمضامين وصيغ وأسلوب أداء بآراء اثنين من عمالقة التخاطب مع الجماهير في الخمسينيات من القرن العشرين: فضيلة الإمام الأكبر للجامع الأزهر الشيخ محمود شلتوت، وعميد الأدب العربي الأستاذ الدكتور طه حسين، وقد اتفق أيامها العالمان الجليلان وبالذات في شأن الصيغة الرئيسية والاداء العام للخطاب الاعلامي - بما في ذلك احتمالات الدراما - على الأسلوب المباشر من جهة والتركيز في نهاية أي شكل من أشكال العمل الاعلامي على اعادة مضمون الخطاب الاعلامي المطروح وذلك من خلال ما هو أشبه في الصياغة بالتفعيلة الشعرية القصيرة ذات النظم الايقاعي الشعري السلس في المعنى واللفظ والنطق والسمع، أما من حيث الاداء فقد نصحا بحتمية مرحلية في النطق تهز في المتلقي - وخاصة في أغلب المجتمعات العربية التي كانت تائهة ضائعة في غياهب متاهات اليأس.. عناصر النخوة والإثارة بإيقاع له قرع الطبول ودوي الرعود. غير أن صوت العرب لم يقتصر في التعبير عن مضامين الخطاب الاعلامي القومي على هذه الصيغ المباشرة والاداء المثير للشجن العاطفي الايجابي في فورية الاستجابة له حيث يعم جماعة من المتلقين وضع استرخاء مطلوب أو ظرف تهدئة أو حياد أو حتى رأي اقليمي تراكمي ومحسوب: وإنما سعى دائما الى دعم أي عمل اقتصادي أو فكري أو فني يعكس الكثير النامي من الوسائل غير المباشرة لتحقيق التوحد العربي.. ذلك أن الظروف السياسية والنفسية.. وأحيانا ظروف نابعة من أنظمة السلطة والحكام وطغيان وجهات النظر الأجنبية المعادية دوما لتوحد العرب قد تفرض عزلة اقليمية تصل كما الحال اليوم سنة 2002 الى مستويات متدنية من التشرذم المهين، مما يفرض على الخطاب الاعلامي القومي - وبعيدا عن الثورية المباشرة - التماس الدعوة الهادئة المتأنية الى جميع خطوات التقارب والتوحيد في مجالات البناء الوحدوي التراكمي من خلال إيجاد أرضية مشتركة من الثقافة والفنون والعلاقات الاجتماعية والأنشطة الاقتصادية، وقد عكس الخطاب القومي الهادئ حرفيا من صوت العرب خاصة وأجهزة 23 يوليو عامة والخطاب المباشر لعبدالناصر نفسه الصور الكثيرة التي اعتمدت هذه الصيغة التراكمية في الدعوة غير المباشرة والصانعة لرأي وحدوي عربي وخاصة في تجمعات الفرقاء على المدى البعيد، ومتناسيا في غير تغافل لمبدأ التحرر الكامل المطلوب. ورغم الطابع الودي الأخوي الهادئ لهذا التوجه في الخطاب الاعلامي القومي والبعيد تماما عن إحداث التغيير الجذري في الأنظمة الحاكمة أو الأسر المسيطرة: إلا أن غالبية العواصم العربية قاومته من منطلق احتمالات تصفية لنفوذ النخب المسيطرة المتمتعة بغالبية ثروات الشعوب مما أضاف الى الخطاب الاعلامي القومي عبئا لاشك فيه على استراتيجيته من جهة وحرفيته من جهة أخرى، ففي مرحلة ما سبق وتلى القرارات الناصرية المسماة بقرارات يوليو 1961 الاشتراكية وتحسبا من احتمالات انضمام العديد من القوميين أبناء الطبقة البورجوازية من خندق عبدالناصر القومي الى خندق الرأسمالية بانزلاقاتها الامبريالية الاستعمارية: وجد الاعلام الناصري - وخاصة اذاعة صوت العرب - ضرورة أن يتضمن خطابه للجماهير مسئوليات دينية واجتماعية واقتصادية تأكيدا للبعد القومي المؤمن بديانات السماء أولا وأخيرا من جهة، والرافض تماما للكل الشيوعي الماركسي من جهة أخرى، وقد أدخل هذا المنحى في الخطاب الاعلامي على صوت العرب عبء تأصيل العدل الاجتماعي المرجو للأمة العربية لمبدأ سماوي للارادة الإلهية للتعامل بين البشر مما فرض على الخطاب الاعلامي القومي عامة ومن صوت العرب خاصة أن يخوض معارك جانبية عديدة أيده فيها وسانده الرئيس عبدالناصر وخاصة عام 1965 من خلال خطاب شهير له مثبت في مضبطة مجلس الأمة المصري ليوم الخامس والعشرين من فبراير نفس العام. كما حكم الخطاب الاعلامي القومي لثورة 23 يوليو وخاصة فيما بين 4 يوليو 53 و28 سبتمبر 70 (من بدء ارسال صوت العرب حتى وفاة عبدالناصر) ما ساد بين العواصم العربية من خلافات مصالح حكام وأسباب وجود أنظمة مثل الصراع الهاشمي السعودي والخوف الملكي من الجمهوري وشك التقليدي من التقدمي، فإذا أضفنا الى ذلك خصائص التحرك السياسي اليومي ومتطلبات التعامل في عالم يسوده تربص غربي شيوعي وسعي متصل من الكتلتين العالميتين لإحكام نفوذهم على العالم الثالث عامة ودول العرب خاصة بحكم البترول والموقع وحماية اسرائيل: فإننا نجد أن الخطاب الاعلامي - وقد وعي المتناقضات العربية وحدتها في أغلب الأحوال وشراسة ووضوح وأيضا غموض المواقف الأجنبية في أحوال أخرى قد اضطر في بعض مراحله الى الأخذ بقدر من التوازن مع ظروف السياسات الناصرية المتغيرة - لا المبادئ الثورية الثابت - إيمانا بأن الأنظمة الحاكمة ومجتمعاتها القائمة أيامها في وطن العرب واستفحل أمرها اليوم سنة 2002 بحكم تطور أجهزة البوليس والتنصت والقمع بالاعلام الخادع تارة وقوانين الطوارئ أو ما يماثلها تارة أخرى: أشبه ما تكون - رغم ما تبدو عليه من استقرار - بالبناء الذي يقيمه الأطفال بورق الكوتشينة مربعات فوقية ومتجاورة يستحيل أن يصمد أمام نفخة زفير صغيرة. ـ الرئيس الأسبق لاذاعة صوت العرب