هل ينجح مشروع السلام الذي أبرم بين الحكومة السودانية و«الجيش الشعبي لتحرير السودان» في يوليو المنصرم تحت اسم «بروتوكول ماشاكوس» (نسبة الى احدى ضواحي العاصمة الكينية نيروبي)؟ بالطبع تقتضي الحكمة ان نتريث لنرى ما تنتهي اليه الجولة التفاوضية الثانية بين الطرفين التي تبدأ هذا الاسبوع. فالبروتوكول الموقع عليه ليس اتفاقا نهائيا وانما هو «تفاهم» مشترك مبني على خطوط عريضة، والغرض من الجولة التفاوضية الثانية هو التباحث حول قضايا مفصلة أبرزها ترتيبات أمنية على درجة عالية من الحساسية مثل: ما هو مصير جيش قرنق؟.. وكيف يكون وضع القوات المسلحة الحكومية في جنوب السودان خلال الفترة الانتقالية المنصوص عليها؟ يضاف الى ذلك المسائل المتصلة باقتسام الثروة والسلطة وماذا تعني على صعيد التطبيق العملي. وبالرغم من اهمية هذه التفاصيل المصيرية فإن تساؤلنا المطروح حول نجاح المشروع او فشله على الصعيد العملي ينطلق من المرتكزات الاساسية التي وضعت مسبقا قبل عملية التفاوض وجرى التأكيد عليها خلال المفاوضات. وبكلمة واحدة اقول ان ترسيم هذه المرتكزات وبلورتها ترتيب اميركي صرف. ولذا يمكن القول ان بروتوكول ماشاكوس صفقة سياسية ثنائية بين «نظام الانقاذ» السوداني وحركة قرنق جرى ترتيبها بواسطة الولايات المتحدة وفق منظور يلائم مصلحة اميركية. ومما يثير الدهشة ان بعض السودانيين ـ ومن بينهم محمد عثمان الميرغني الزعيم المعارض ـ ابدوا ردود فعل وكأنهم فوجئوا بما جرى. ذلك ان بوادر التصور الاميركي لوقف الحرب في جنوب السودان على اساس تسوية سياسية محددة ظهرت قبل اكثر من عامين. وتفاصيل هذا التصور لم تكن سرية.. فقد نشرت على الملأ. في عام 2000 نشرت وثيقة بعنوان «السياسة الاميركية لوضع نهاية للحرب في السودان» تشتمل على تلك الخطوط العريضة التي يتضمنها الآن بروتوكول ماشاكوس. لقد صدرت الوثيقة عن «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في واشنطن.. وهي عبارة عن مشروع محدد المعالم جرى وضعه على اساس حصيلة توصيات من مجموعة تتكون من اكثر من خمسين خبيرا اميركيا من المختصين في الشئون السودانية والافريقية في كافة مجالات الخبرة. لقد دعا مشروع «مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية» في الولايات المتحدة صراحة الى وضع نهاية للحرب في السودان. وانطلاقا من هذه الدعوة وضع خطوطا عامة لتسوية سياسية بين الشمال والجنوب ترتكز الى مبدأ «نظامين ودولة واحدة» أي قيام علاقة فيدرالية تضمن للجنوب حكما ذاتيا علمانيا وللشمال حكما اسلاميا على مباديء الشريعة. والسؤال الذي يطرح هو: لماذا كان هذا الاهتمام الاميركي الفجائي بأمر الحرب والسلام في السودان؟ لقد تبنت ادارة بوش مشروع مركز الدراسات كسياسة رسمية انتقلت الى تحرك نشط الى ان توجت باتفاق ماشاكوس. ولمعرفة الاجابة عن السؤال المطروح يجب ان نستذكر ان مبادرة وضع المشروع جاءت اصلا من مجموعة شركات النفط الاميركية. كانت شركات النفط الاميركية غير سعيدة تجاه سياسة ادارة كلينتون العقابية نحو السودان. فمن بين العقوبات التي فرضها كلينتون منع الشركات النفطية الاميركية من الاستثمار في النفط السوداني. وكانت النتيجة ان شركات نفطية من دول اخرى (الصين وماليزيا وكندا) تولت مشروعات التنقيب والانتاج النفطي في السودان. ومع فوز جورج بوش في الانتخابات الرئاسية سنحت الفرصة التي كانت تترقبها الشركات الاميركية بفارغ الصبر. ذلك ان مجموعة الشركات النفطية الاميركية في مقدمة «اللوبيات» التي يعتمد عليها بوش، ثم ان آل بوش انفسهم اصحاب رؤوس أموال نفطية.