في الأسبوع الماضي أشرت إلى أن الأمة كلها تحت الحصار، وأن التحالف الاميركي ـ الصهيوني يعرف إلى أي مدى وصل عجز النظام العربي الراهن، ويحاول استغلال الفرصة لفرض الخريطة الجديدة للمنطقة، وانه اذا كانت فلسطين هي البؤرة الساخنة للصراع الآن، واذا كان العراق هو المحطة المقبلة، فإن كل شبر من الأرض العربية هو برهن الخطر! وإذا كانت الأطراف العربية هي التي يتم ترويضها الآن بالسيطرة على الخليج واستنزاف الجزائر وضرب العراق وتقسيم السودان.. فإن الدور قادم على القلب، والمهمة لن تقتصر على سوريا ولبنان بل ستمتد حتى النقاط التي يعتقد البعض منا أنها حصينة، وأشرت الى مصر والسعودية بالذات باعتبارهما محور الارتكاز لأي حركة عربية فاعلة، وقلت انه إذا كان حصار مصر واستغلال أوضاعها الاقتصادية سيكونان الوسيلة لمحاولة عزلها عن امتها العربية ونزعها ونزع دورها الاساسي في هذا المجال، فإن المخطط للسعودية يتجاوز ذلك! وبعد ذلك توالت الأحداث والتصريحات، ولا أظن اننا شهدنا قبل ذلك مثلما شهدناه في الأسبوع الماضي من كشف الأقنعة عن حقيقة التوجه الاميركي تجاه العرب ومدى العداء الذي تكنه الإدارة الاميركية الحالية للأمة العربية، واصرارها على المضي قدما في «الحرب الصليبية» التي أعلنها الرئيس الاميركي عقب احداث 11 سبتمبر وأوهمنا أنفسنا يومها أن ما قاله عنها كان «زلة لسان» مع أنها «الحقيقة» الوحيدة في موقف الادارة الاميركية التي لم يشهد العالم من قبل مثيلا لعبقريتها في الجمع بين غطرسة القوة والحماقة والجهل! في أسبوع سقوط الأقنعة خرج علينا مفتي الديار الاميركية في الشئون العسكرية والسياسية باخر فتاويه حول الصراع الدائر على أرض فلسطين. وفي هذه الفتوى قال دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي الذي اثبت انه الرجل القوي في الإدارة الاميركية مالم يسبقه إليه الا غلاة الصهاينة في اسرائيل. قال الرجل وهو يتحدث امام كاميرات التلفزيون وعدسات مصوري الصحف انه يرفض استخدام مصطلح «الأرض المحتلة» في الاشارة للضفة الغربية مفضلا استخدام مصطلح «ما يسمى بالأراضي المحتلة».. ثم مضى الرجل في فتواه بأعصاب باردة ليؤكد: «مشاعري بشأن ما يسمى الأراضي المحتلة هي انه كانت هناك حرب، وقد حضت اسرائيل البلدان المجاورة على عدم التورط فيها عندما تندلع، ولكن هذه الدول شاركت في الحرب وخسرت أراضي كثيرة لاسرائيل لأن اسرائيل هي التي انتصرت في الصراع». ولم يكن الرجل يتحدث من فراغ.. فالحديث كان مبرمجا ليتوافق مع وصول أول وفد فلسطيني رسمي تتم دعوته للتباحث مع الادارة الاميركية ليؤكد للوفد ان هذا هو الموقف الحقيقي للقابضين على السلطة في اميركا، وان ما سيسمعه من وزير الخارجية المستأنس كولن باول ليس الا حديث دبلوماسية، وانه حتى اذا كان الوفد الفلسطيني قد تم اختياره من السلطة الاميركية نفسها فإن هذا لا ينبغي بل يؤكد ما قاله وزير الدفاع الاميركي من أن السلطة الفلسطينية ضالعة في الارهاب ولم تعد تصلح لتكون محاورا!! هكذا أعطى الرجل القوي الذي يتزعم صقور الادارة الاميركية الشرعية لاحتلال اسرائيل للضفة الغربية والتزم ـ لأول مرة من مسئول أميركي ـ بالرؤية التي يتمسك بها اليمين الاسرائيلي وتجد المعارضة حتى داخل اسرائيل نفسها. وهكذا تحولت الضفة الى أرض خسرها العرب في الحرب، وتحولت المستوطنات الى عمل مشروع. وهكذا اصبح على الفلسطينيين والعرب ان يعرفوا حدود التسوية المطلوبة.. كيان فلسطيني ممزق تفرض اسرائيل حدوده وتضمن السيطرة الكاملة عليه، وتفرض عليه ان يضمن لها الأمن وان يحرس المستوطنات، اذا كان الحصول على من يقبل ذلك وينسى إلى الأبد قضية العودة والقدس الأسيرة من بين القيادات الفلسطينية الحالية أو حتى من بين الفلسطينيين في الداخل، فإن مولانا صاحب الفتوى السيد رامسفيلد لديه العلاج على الطريقة الافغانية، حيث يقترح قيادة فلسطينية جديدة يختارها من بين فلسطيني الخارج ويعدها للمهمة المطلوبة كما يحدث مع ما يسمى بالمعارضة العراقية الآن!! وليس الغريب فقط هو فتوى السيد رامسفيلد، ولكن لعل ما يفوقها غرابة هو رد الفعل العربي الرسمي عليها.. فلا أحد احتج، ولا أحد استدعى السفراء الاميركان لابلاغهم بخطورة الجهل والحماقة اللذين يسيطران على السياسة الاميركية ولا احد طلب اجتماعا عربيا أو قمة استثنائية لمواجهة هذا التطور الخطير. والوفد الفلسطيني المسافر لواشنطن مضى في طريقه الى هناك ليمثل سلطة متهمة رسميا من اميركا بالارهاب وعدم الصلاحية. أما الحل البديع للتوفيق بين غطرسة القوة والجهل الاميركيين كما عبر عنهما رامسفيلد وبين العجز العربي الفاضح عن المواجهة فجاء به وزير الخارجية المصري أحمد ماهر الذي وصف تصريحات وزير الدفاع الاميركي بأنها «زلة لسان» أرجعها الى ان الرجل لم يكن يقرأ من بيان مكتوب.. دون أن يفسر لماذا لا تأتي «زلات اللسان» الاميركية الا في مواجهة العرب والمسلمين ولماذا يصبح المسئولون الاميركان في غاية الحرص والانتباه عندما يتحدثون خارج هذا الاطار؟! الأمر مع العراق لايبدو مختلفا الا في التفاصيل فالقرار بضرب العراق لم يعد محل نقاش في الادارة الاميركية خاصة بعد تردي الأوضاع الاقتصادية والحاجة الى عمل ينسى الاميركيين فضائح الشركات الاميركية وانهيار البورصة وهم يتوجهون بعد شهور الى صناديق الانتخابات التكميلية لاعضاء الكونغرس وحكام الولايات، والتي ستكون هزيمة الجمهوريين فيها مؤشرا الى ان الرئيس بوش الابن سيكرر «انجاز» ابيه بأن يكون رئيسا لفترة واحدة فقط بعدما اثبته من كفاءة متدنية في ادارة اميركا. والمشكلة أن بوش يبدو وحيدا وهو ذاهب لضرب العراق. فالحلفاء العرب يرفضون خوفا من تداعيات لا يعلم الا الله مداها خاصة مع استمرار تدهور الاوضاع في فلسطين. وأوروبا تعارض خوفا على مصالحها من استكمال هيمنة اميركا على مناطق انتاج النفط والاضرار باقتصاديات أوروبا. وحتى التابع الأمين توني بلير يواجه في بريطانيا معارضة متزايدة للدور الذي يلعبه. ويحاول الرئيس الاميركي أن يرتدي ثوب الحكمة في مواجهة الانتقادات الموجهة لسياساته، وتتوالى التصريحات المتضاربة منه ومن أركان حكمه حول الضربة المقبلة للعراق، ومع ذلك فهم لا يكشفون الا المزيد من الغطرسة والحماقة في مواجهة الموقف ودون ابداء أسباب مقنعة للضربة المقبلة.. وعندما تبدي بغداد مرونة في موضوع عودة المفتشين الدوليين لاستئناف مهمتهم يأتي الجواب الاميركي بأن الضربة مقبلة حتى لو عاد المفتشون الى العراق! وعندما يطلب العراق من مجلس الشيوخ الاميركي ان يأتي بمن يشاء من خبراء ليكشفوا زيف ادعاءات الادارة حول امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل يكون الجواب هو ان النظام العراقي لابد ان يذهب لانه خطر على الأمن الاميركي! أما العرب الذين يواجهون الكارثة وحدهم فلا يسألون: اذا كنتم تبحثون عن اسلحة الدمار الشامل فلماذا لا تذهبون لاسرائيل.. واذا كنتم تعاقبون من يرفض تنفيذ قرارات مجلس الأمن فليس العراق هو المتهم الأول بل هذا الكيان الصهيوني الذي يحتقر الأمم المتحدة وقراراتها ويدوس على أي شرعية دولية ويرتكب من الجرائم ما تخجل منه النازية نفسها، ومع ذلك فهو عند واشنطن واحة الديمقراطية ورسول الحضارة الأوروبية والاميركية في أحسن صورها! وبين العجز العربي، والغطرسة الاميركية، تمضي الأمور في طريقها لتدمير العراق وتقسيمه، وتبذل الجهود لاقناع أوروبا، ولأن أحدى العقبات الرئيسية في هذا السبيل كانت اصرار أوروبا على انه لم يثبت أي علاقة لبغداد مع منظمة القاعدة أو طالبان، ولأن محاولة قديمة من أجهزة المخابرات الاميركية فشلت في أعقاب أحداث 11 سبتمبر في اثبات هذه العلاقة حيث اختلقت قصة عن لقاءات بين مسئول في سفارة العراق في تشيكوسلوفاكيا وأحد المشاركين في هجوم 11 سبتمبر ثبت كذبها.. فإن الجهود تعود الآن في محاولة محمومة لاثبات هذه العلاقة، واخر الاتهامات في هذا السبيل هي لنفس الرجل: مفتي الديار الاميركية في الشئون العسكرية والسياسية دونالد رامسفيلد، حيث افتى اخيرا بأنه يوجد رجال من «القاعدة» في العراق!وهو أول من يعرف كذب هذه المزاعم، ولكنها سياسة الكذب ثم الكذب ثم الكذب بهدف خلط كل الأوراق، وربما لتمهيد الاجواء لتلفيق قصة مختلقة تعدها اجهزة المخابرات الاميركية الآن لتكون الطلقة الأخيرة في الحرب الدعائية قبل بدء العمليات العسكرية ضد العراق، ولعلنا نشهد بعد حين على شاشات التلفزيون من يزعم انه من «القاعدة» وانه فر من افغانستان الى العراق ثم استسلم للاميركان أو عملائهم بعد ان استقبله المسئولون في بغداد بكل ترحاب، وسط الضجة التي ستثيرها واشنطن حول مثل هذه القصة لن تتوقف عند الحقيقة التي تقول ان اعضاء القاعدة الذين ذهبوا الى خارج افغانستان كانوا في حماية المخابرات الاميركية نفسها.. يخربون ويذبحون في الجزائر وغيرها من الدول العربية والاسلامية، ويجدون الملاذ الآمن في اميركا نفسها وفي أقرب حلفائها في أوروبا وغير أوروبا! والنقطة الثالثة في أسبوع سقوط الاقنعة كانت مرتبطة بالسعودية، والغريب انها ارتبطت ايضا بنفس الرجل «دونالد رامسفيلد» وزير الدفاع الاميركي. ففي تقرير للهيئة الاستشارية الاميركية «راند» واثناء لقاء لمجلس مستشاري البنتاغون الاميركي الذي يضم كبار الخبراء والمسئولين الأمنيين السابقين الذين يقدمون المشورة لوزير الدفاع في رسم السياسة العسكرية الاميركية.. قال المحلل العسكري «لوران موراديس» ان السعودية هي قلب الشر، وانها المحرك الرئيسي له وأكثر خصوم اميركا في الشرق الأوسط، وانها تنشط في كل مستوى من مستويات سلسلة «الارهاب!!» ومن المخططين الى الممولين الى الكوادر الى الجنود إلى الايديولوجيين الى المشجعين والانصار! ومضى تقرير المؤسسة البحثية المهمة ليؤكد في رحاب البنتاغون وتحت رعايته انه آن الأوان للتعامل مع هذا الوضع واعداد الخطط للاستيلاء على حقول النفط وعلى الأرصدة المالية السعودية لدى اميركا! وربما يكون تسريب هذا التقرير ونشره في هذا التوقيت هو نوع من الانذار الاميركي للسعودية بعد ما قيل عن معارضة سعودية لضرب العراق وطلبها عدم استخدام القواعد الاميركية في هذه الضربة اذا وقعت، بل وطلب تصفية هذه القواعد تدريجيا بسبب ما تثيره من متاعب داخلية للنظام السعودي. لكن المؤكد ان الافكار التي جاءت في هذا التقرير لم تأت من فراغ، وقد سبق ان طرح بعضها هنري كيسنجر وزير الخارجية الاميركي الأسبق في اطار الحملة على السعودية بعد أحداث 11 سبتمبر وما قيل عن أن معظم من قاموا بها كانوا من السعوديين مع اغفال أن الولايات المتحدة نفسها هي التي تبنت تنظيم القاعدة وحركة طالبان عندما كان ذلك يصب في مصلحتها، وانها هي التي خططت ودربت ومولت هؤلاء «المجاهدين!» عندما كان جهادهم ضد اعداء الولايات المتحدة وقبل ان تختلف الطرق وتتقاطع المقاصد. وكالعادة كانت ردود الفعل تعبيرا عن معادلة الغطرسة الاميركية والعجز العربي، ورغم حديث المسئولين في الجانبين «السعودي والاميركي» عن الصداقة التي تمتد ستين أو سبعين عاما بين البلدين، وعن العلاقات الممتازة والمشاعر المتبادلة، فإن الحقائق كانت اقوى.. فلا أحد نفى وجود التقرير أو صحة ما نشر منه، ولا أحد قلل من أهمية الهيئة التي صدر عنها، ولا المكان الذي قيلت فيه، ولا الرسالة التي أرادت الادارة الاميركية ايصالها بوضوح شديد. إن ما يخيف هنا ليس المخططات الاميركية فهي ليست جديدة، وانما المخاوف تأتي ـ كما قلنا ـ من المعادلة التي يراد فرضها والتي تعتمد على غطرسة القوة الاميركية «ومعها الاسرائيليين بالطبع» ومهانة العجز العربي. إن اميركا تتحرك الآن بدون أي قيود على ما تملكه من قوة عسكرية وسياسية. ان ثلاثي بوش وتشيني ورامسفيلد يمسك بمقاليد الأمور في القوة الاعظم في هذا العالم ويتصرف بمزيج غريب من الحماقة والجهل والعداء للعرب. ان فلسطين ـ بحكم المنطق الاميركي الجديد ـ هي غنيمة حرب لاسرائيل تفعل بها ما تريد وتبني بها ما تشاء من مستوطنات وتبقي فيها من تريد من العرب وتطرد منها من تشاء، وتطلق فيها يد شارون ليفعل ما يشاء.. يقتل ويذبح ويدمر ويلتقط الاشارة من رامسفيلد في نفس اليوم فيعلن ان السلطة الفلسطينية هي عصابة من الارهابيين والقتلة لابد من استئصالهم. إن العراق ـ وفقا لهذا المنطلق ـ قضية منتهية سيتم ضربها سواء وافق مجلس الأمن أو لم يوافق، وسواء عاد المفتشون الدوليون أو لم يعودوا، وسواء قبلت أوروبا بالمشاركة أو رضيت بموقف المراقب، أو حتى عارضت في الحدود التي لا تعطل الضربة. والعالم العربي كله هو أرض مستباحة لاميركا تفرض عليها خريطتها الجديدة وفقا لمصالحها هي وحدها ومئات المليارات من الدولارات العربية التي حرمت الأمة العربية منها وذهبت الى المصارف الاميركية والأوروبية بدلا من أن تساهم في التنمية العربية اصبحت رهينة لا نملك من أمرها شيئا، وحتى حقول البترول العربية مهددة بالاحتلال الاميركي المباشر. والمصيبة الأكبر ليست في هذا الموقف المتعصب المجنون من الإدارة الاميركية، وانما من العجز الذي يقيد خطواتنا والرعب الذي يسيطر على عقولنا. وبدلا من استنفار طاقات الأمة لتدافع عن وجودها المهدد، واستنفار الدول الاسلامية لتدعم نضالنا، واستنفار أوروبا لتدافع عن مصالحها التي تهددها الهيمنة الاميركية الاسرائيلية.. بدلا من ذلك لا نسمع الا حديث الصداقة الأبدية مع اميركا، ووسائل استجداء السلام والأمن من العصابات التي تحكم واشنطن، والرضوخ لشروط شارون لاذلال الفلسطينيين، ثم تصوير الأمر كله على انه «زلة لسان» لا ينبغي ان نقف عندها، تماما كما كانت زلة اللسان الأولى التي أعلن فيها الرئيس الاميركي «الحرب الصليبية المقدسة» على العرب والمسلمين، والتي اثبتت الأيام انها الكلمة الوحيدة الصحيحة التي نطق بها هذا الرئيس الاميركي منذ أن دخل البيت الأبيض! ـ نائب رئيس تحرير «أخبار اليوم» المصرية