مع اصحاب العقول الكبيرة الذين اختارتهم الحكمة الصينية ليكونوا في الصف الاول من المستثمرين لامكاناتهم العقلية، نتوقف اليوم، لنستجلي صفاتهم الشخصية التي ادت بهم الى الفوز في مباراة العقول نحو اغتنام الحظ الاوفر من السعادة في الحياة. لقد نجح هؤلاء في اختيار مواقفهم الفكرية، وتوفر لهم قدر رائع من الحكمة الانسانية حين آثروا الاحتماء بمظلة المباديء التي من شأنها ان توفر لهم الحماية الطبيعية من اختراق الاشعة الحارقة التي يتسبب فيها المفلسون من البشر، اولئك الذين اصطدموا مع نواميس الوجود وحاربوا اصحاب المباديء، واخترقوا الخطوط الحمراء، معتمدين على الوجه الصارخ للقوة المادية التي يملكون. ومن شأن اصحاب العقول الراجحة ان يعملوا على تقوية خطوط الدفاع التي يملكون عن طريق الحركة والنشاط والتعريف بمبادئهم في حركة ثقافية نشطة تستثمر اجمل ما في الانسان من معاني الخير والنبل، وتوظف اغلى ما انطوت عليه نفوس الاسوياء من الناس في اتجاه تحجيم المنطق المادي الذي يريد ان يبتلع من الانسان عقله وروحه ويجعله اسير المال والحظوظ المادية، وهو ما يغيب في الانسان تلك المشاعر الدافئة التي تمنحه قدراً من القناعة والرضا، وتأمره ان يبرهن على انسانيته بالعطاء لا ان يتحول الى وعاء يبتلع المال ولا يكف عن طلب المزيد!! وبقدر ما يحمل ذوو العقول الكبيرة من رصيد عملي وتجربة ذاتية في تطبيق افكارهم بقدر ما يرتفع رصيدهم بين الناس، وتتضاعف مساحة احترامهم في القلوب، والتجاوب معهم فيما يدعون اليه ويهتفون به. والميزة الابرز لحماة المباديء استخدامهم للغة الهادئة البعيدة عن التشنج والصراخ، والمنتمية الى مدرسة التعليم بالحكمة والقول الامثل، حيث تسمع في لهجتهم المباشرة حكمة الكهل، وتلمس في مدلول دعوتهم وقار الشيخ، ويتسرب اليك من قناعتهم حماس الشاب، وتقرأ في عيونهم اخلاص المنتمي لوطنه وامته، ويأتيك من علمهم وفهمهم للحياة ما يرفع من رصيد الوعي لديك، ويرتقي بك الى عالم اكثر عطاء ووفرة في الجانب المعنوي والاخلاقي. انها ذخائر الفكر الانساني، وكنوز المعرفة البشرية تتناقل بين الاجيال، وتتحرك عبر القرون والسنين حاملة فضائل النفس البشرية من جيل الى جيل. وحيث وجدت المعرفة والعلم وجد الاشخاص القادرون على استيعاب الدروس الثمينة التي هيأتها المعرفة الانسانية، والذاكرة البشرية التي تحتفظ بالحكمة ولا تمنحها الا لأهلها المهيئين لاداء دور نوعي في الحياة يتجاوز الواقع بآلامه وهمومه، وانتكاساته واحزانه، وقسوته وجفافه، وظلم اهله وفقر روحهم من الموارد الاخلاقية. ان هذا الدور النوعي الذي يتفوق على عنف اللحظة الحاضرة، ويرنو الى حياة تبنى على الوفرة الاخلاقية لا على الشح النفسي هو الرهان الذي تراهن عليه البشرية اليوم في معركتها الضارية ضد نفسها قبل ان تكون معركة مفتوحة الجبهات على كل قيمة او مثل يجاهد ليبقي رايته مرفوعة في الارض. ولعل اكثر ما يحزن في المشهد الحالي الذي نكتوي بنيرانه اكثر من غيرنا ان نرى كثيرين منا قد سقطت منهم الراية، واعلنوا حالة اليأس ورأوا ان العاقبة ستؤول الى القوى المادية الباطشة وليس الى اصحاب المباديء والمدافعين عن حقوق الناس. ان هذا اليأس هو العدو الاكبر الذي تفوق عليه اصحاب العقول الكبيرة، ووأدوه داخل نفوسهم ومضوا يعملون في الدفاع عن قضاياهم افراداً وجماعات يمثلهم خير تمثيل ابطال الانتفاضة الذين استرخصوا النفوس في سبيل مبادئهم التي رأوها اسمى واثمن من اي بديل او عوض، واصحاب الاقلام الحرة الذين ما فتئوا يتحدثون بلغة العقل والعلم ويترفعون عن التسول او التسلق فوق اكتاف الحقائق ويمثلهم الاعلاميون الذين ينظمون افكارهم في انتاج البرامج التثقيفية عالية الجودة، كما يعبر عنهم المثقفون من الذين حملوا امانة نشر الكلمة والدفاع عن الحقوق المهدورة وتمثلهم تلك النفوس الطيبة الصافية التي تنتشر في ارضنا الفسيحة تتجاوب مع كل كلمة صادقة، وتتفاعل مع كل حكمة ورأي سديد وتساهم بامكاناتها البسيطة، ولغتها العفوية واساليبها السهلة والتلقائية في رفع رصيد الافكار البناءة في عالم يبدو بلا هدف. انها جهود مخلصة، ووعي يتزايد يوما بعد يوم بان مستقبل انسان هذا الكوكب مرهون بقدرته على التفوق على نفسه، ونجاح اختياراته في الحياة.