للمرة الثانية تكرّم المغرب الطيّب صالح الروائي السوداني المعروف، إذ أهدته الأسبوع الفائت «جائزة محمد زفزاف للرواية العربية». كان «منتدى أصيلة» احتفى بالطيّب صالح قبل سنوات عدّة كذلك. ربما يحرّضني هذا التكريم على المطالبة بإعادة فتح الأبواب السودانية الموصدة أمام الطيّب صالح. لعلني أذهب أبعد من ذلك للمناداة بالاحتفاء بهذا الروائي ذي الصيت العالمي قبيل الاحتفال بتكريس الخرطوم عاصمة للثقافة. لا أحبّذ أن اجتر في هذه المناسبة عبارة «لا كرامة لنبي في وطنه» حتى يجّرف هواة الخصومات القضية فيذهب الجوهر تحت الغثاء. بين قلة معدودة من اللامنتمين في حقل الثقافة السوداني يبرز الطيّب صالح خالصاً من خطوط السياسة الجارحة والشفيفة التي توسم عادة المثقفين السودانيين عامة بدرجات جارحة متفاوتة العمق. مما يميز هذا الروائي الذي باتت أعماله المحدودة تقرأ في لغات عديدة أنه حلّق عالياً بجناحي الثقافة والإبداع دون أن يعتمد على تيار سياسي بعينه يحمله للناس أو يسوقه في المنتديات. غير أن هذا الانفلات من التحزب السياسي الضيّق لا يعني انفكاك الطيّب صالح من الانتماء الحقيقي والتلقائي للوطن. هكذا هي أعماله التي فتحت أمامه شرفات الشهرة العالمية منغمسة في تراب الوطن وبيئته. فالكاتب لا ينسج إبداعه من الفراغ أو فيه أو عنه. أعمال الطيّب صالح تدور وتتحدث عن جذوره الضاربة في عمق التربة الخصبة على شاطئ النيل ونخله وأناسه. ربما يحقّ للرجل أن يتباهى بأنه صعد درج الشهرة العالمية معتمداً على موهبته ورؤيته الفنية، كما له الحق في التفاخر بأنه اخترق السقف القُطري إلى الأفق القومي ممتطياً صهوة أعماله. وفي رصيد الطيّب صالح الوظيفي مسيرة مبهرة غزلها بجدّ ومثابرة نسيجها كله كان في الخارج وفي أوساط الغلبة فيها للقدرات الذاتية وحدها وهيّأ لنفسه حياة هانئة خالية من الشظف وآمنة من التقلبات التي تعتور الغربة أحياناً. وفي كل ذلك ظلّ الطيّب صالح قابضاً في وجدانه على جمرة سودانيته يستمد منها حرارة الإقبال على الحياة والانكباب على العمل والدافع على الإنجاز الأدبي. هذه الجفوة المفتعلة بين الكاتب والوطن ظاهرة عرضية مرضية لا بُد من ردمها. الإجابة الرسمية النافية لإغلاق أبواب الوطن أمام الروائي المعروف ـ إذا صدرت ـ لا تلغي واقعاً مأزوماً بين الجانبين في أعقاب موقف تبناه الكاتب في مقال تحت عنوان «من أين جاء هؤلاء؟» قبل سنين عدداً. بما أن الطيّب صالح ليس محسوباً على تيار سياسي فإنه إنما صدر في موقفه هذا عن مواطنته ليس غير وعن غيرته الوطنية ليس أكثر. في رد الفعل الغاضب من بعض أهل الحكم اعتراف ضمني بقامة الطيّب صالح وبريقه. هذا الحضور الذي لا يمكن القفز عليه هو الذي يحرّضنا على المطالبة بإعادة فتح الأبواب أمام الطيّب صالح بل الذهاب أبعد من ذلك لتكريمه كاتباً وروائياً مبدعاً استطاع أن يُساهم في إكساب مساحة لوطنه على جهة عزيزة. فكم عدد الذين يمكن أن تحتفي بهم الخرطوم حين يحين أوانها عاصمة للثقافة؟ بمَن مِن الروائيين يمكن أن تتباهى إذا تجاهلت الطيّب صالح؟ حتماً في جعبة الرجل خبرة ـ استناداً إلى تجربته في اليونسكو ـ لإعانة الخرطوم على اغتنام مناسبة عاصمة الثقافة على نحو أفضل. في تكريم الطيّب صالح احتفاء بأجيال الروائيين السودانيين بدءاً من عثمان علي نور وانتهاء ببشرى الفاضل. من يعرف الطيّب صالح يُدرك أن الرجل بتواضعه السوداني المطبوع لن يطلب شيئاً حتى إذا كان ذلك مدخلاً إلى الوطن. لا يزال عالقاً في ذهني قوله في حوار «نحن السودانيين نبدو دائماً أصغر من الحيز الذي نشغله في الواقع تواضعاً». في الحوار نفسه قال لي: «أحلم بفدان واحد في بلد المليون ميل مربع... بفدان واحد أبني عليه بيتاً من طين على طراز عمارة حسن فتحي المهندس المصري الراحل». ولنا لدى الطيب صالح مطلب مُلح في مناسبة تكريمه المغربي تتمثل في مناشدته استئناف الكتابة وتقديم عمل روائي طال بنا انتظاره. في حفل التكريم وعد الروائي السوداني بالكتابة قائلاً «إنه لديه مشاريع في رأسه وإنه عازم على إخراجها للناس قبل نهاية رحلة الحياة». لعلّ حرصنا على رؤية ما في رأس الطيّب صالح يحثنا على تذكيره بأنه لم يتبق الكثير على رحلة الحياة. فالعمر قصير والذي مضى من الانتظار طويل. هذا الحرص على المناشدة نابع من شرطين وصفهما الطيّب صالح أمام إخراج ما في رأسه للناس، إذ قال إن تلك المهمة تتطلب «بعض الوقت وانخفاضاً في الضغط» وهما شرطان في موازاة المستحيل لرجل مثل الطيّب صالح. فالوقت والضغط في حالة اشتباك مع العصر يبدو فضه عصياً ولا نريد للكاتب أن يتعلل بمحاولة فض ذلك الاشتباك. فتلك مهمة لن ينجح فيها فيما تبقى من رحلة الحياة. كلنا ظمأ لجديد الإبداع الرائد في مجال الواقعية السحرية. ليته يبدأ أو يكتمل على مساحة الفدان