الانسحاب الأميركي من معاهدة انشاء المحكمة الجنائية الدولية والتنصل منها والتزاماتها وتراجعها الرسمي عن اتفاقية ارتضتها دول العالم بالتساوي يكشف عن مجمل دلالات أهمها ان الولايات المتحدة الاميركية تسعى لتمييز نفسها وجنودها من ملاحقة المحاكمات الدولية. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل وصل الى حد التهديد المعلن ضد جميع الدول التي تفكر في استخدام حقها الدولي والقانوني في تقديم جنود أميركيين الى المحكمة بمنع جميع المساعدات العسكرية عن تلك الدول بما في ذلك خدمات التعليم والتدريب والمساعدات المالية لشراء المعدات والأسلحة، أي ان الولايات المتحدة والسياسة التي ينتهجها الرئيس «الأصغر» جورج بوش قررت تطبيق شعارها الارهابي «من ليس معنا فهو ضدنا» ومن لم يخدم مصالحنا فهو عدونا، متناسية انها تتشدق بالنزاهة والزعامة الدولية الحكيمة وهي تضرب مزاعمها في مقتل وتصنع أعداءها بأيديها في غمرة التهور والنزعة الارهابية التي تملكتها منذ «سيناريوهات» 11 سبتمبر. ويقع مقر المحكمة الدولية في لاهاي، وهي محكمة مستقلة عن الأمم المتحدة وتعتبر أول محكمة دولية دائمة من صلاحياتها محاكمة الأشخاص المتهمين بجرائم مثل الابادة والجرائم ضد الانسانية أو جرائم الحرب. وبمقتضى القانون الخاص بانشاء المحكمة الذي تقرر في مؤتمر دولي عقد في يوليو عام 1998 ووقعت عليه 139 دولة فإن التدشين الرسمي للمحكمة سيبدأ في يوليو المقبل. وإذا كانت الولايات المتحدة قد لجأت الى توقيع اتفاقيات ثنائية كحيلة للهروب من المأزق بعد ان لقيت رفضاً دولياً فإن الخيار الثاني أيضاً تعرض لعدة لطمات الواحدة تلو الأخرى حتى ان النرويج رفضت بالأمس المطالب الاميركية بتمييز جنودها والمحاولات الخاصة بعدم تقديمهم للمحاكمة أمام المحكمة الدولية، فضلاً عن استياء دولي متزايد من محاولة فرض الولايات المتحدة نظاماً خاصاً بها وتمييزها عن الآخرين في غير موضعه، فلم تجد السياسة الأميركية إلا أن تبرم اتفاقاً مع حليفتها دولة الاحتلال الاسرائيلي، وهو أمر طبيعي لدولتين ترتديان ثوباً واحداً تشابه تماماً في تفاصيله واحتوائه لسياستين أوجدتا الكثير من الاشمئزاز والنفور ليس على مستوى الشارع العربي فقط، ولكن على مستوى الرأي العام الغربي، وعندما تأكدت انعزالية حليفي الارهاب من تلك المعاهدة، راحت الولايات المتحدة تقرر الحل الجاهز لكل ما يهدد مصالحها ويقف ضد رغباتها، وهو الفيتو، ذلك الحل السحري لانقاذ براثن الارهاب الاميركي من ميزان العدالة الدولية التي تتعامى عنها الولايات المتحدة الأميركية!!