يحاول البعض تصوير ما يحدث في فلسطين على انه صراع بين شعب يريد تحرير ارضه وترابه والحفاظ على هويته ومقدساته، وبين محتل غاصب لهذه الحقوق، ويمارس ابشع انواع الارهاب والقتل والتدمير لابقاء سيطرته على الاوضاع كما هي حاليا. لكن هذا التصور يعد اختزالا غير منطقي للحقيقة وعدم فهم واضح لابعاد الصراع الذي يجري على ارض فلسطين، التي قدر لها ان تكون ساحة للمواجهة الدامية بين مشروعين، كلاهما لا يمكن ان يعيش مع الاخر. فالواقع ان ما يجري في فلسطين، ليس صراعا بين الفلسطينيين والعدو الصهيوني، بل هو صراع بين المشروع العربي والمشروع الغربي الاستعماري، الذي بدأ منذ قرون عديدة مضت ولايزال مستمرا في شكل المواجهة بين الفلسطينيين واسرائيل. فاسرائيل ككيان ليست سوى قاعدة حربية متقدمة للمشروع الغربي، او حاملة طائرات كبيرة في المنطقة العربية تم زرعها في هذا النطاق الجغرافي، لادراك الغرب ان هذا العالم العربي، لو تمكن من تحقيق حلم الوحدة بين شعوبه ودوله، لاصبح رقما مهما وصعبا في خارطة القوى الدولية، نظرا لامتلاكه كافة العناصر التي تؤهله لذلك، مثل القوى البشرية والثروات اضافة للموقع الجغرافي المتميز الذي يتوسط كافة قارات العالم. واذا عدنا بالذاكرة قليلا الى الوراء، لوجدنا ان اسرائيل منذ انشائها، كانت على الدوام جزءا من المشاركين في محاولة تقويض هذه الامة وضرب مشروعها، سواء بالمواجهة العسكرية او بتدبير المؤامرات والقلاقل والفتن الطائفية، في العديد من البلدان العربية. ولعل ما يوضح اكثر هذه الحقيقة، هو اصرار الكثير من المسئولين في الدول الغربية والولايات المتحدة على ترديد انه لا يوجد اي حل عسكري للصراع في فلسطين المحتلة، وهو ما يعني ان يفهم العالم العربي بأنه ليس في استطاعته ان يهدم الكيان المجسد للمشروع الغربي في المنطقة العربية. كذلك محاولة الغرب المستمرة تجريم وتحريم العمليات الاستشهادية، ودفع العديد من الدول العربية الى استهجانها ونبذها، تؤكد بما لا يدع مجالا للشك ان العالم الغربي يريد ان يجعل العرب، وليس الشعب الفلسطيني وحده، يؤمنون بأن المقاومة لن تجدي وأن المطلوب هو الاستسلام التام واخذ ما يمنحه العدو، دون اصرار على استعادة جميع الحقوق. وهذه الادانات المستمرة للعمليات الاستشهادية من جانب الدول الغربية والولايات المتحدة ليست سوى محاولة للحفاظ على أمن واستقرار الكيان الذي زرع في المنطقة، وعدم اجبار ساكنيه على الهروب الى الدول التي قدموا منها، ليستعمروا في فلسطين المحتلة. انه صراع واضح بين مشروعين، وعلى الجميع في العالم العربي، ادراك هذه الحقيقة، ووضع الامور في نصابها الصحيح، حتى لا يتحول الامر الذي نراه في منتهى الخطورة الى مجرد صراع على شارع هنا او حارة هناك في فلسطين.