يتفق المحللون على ان مجموعة التشريعات والقوانين السياسية والاقتصادية التي اقرها البرلمان التركي مطلع اغسطس الجاري، تشكل اضخم حملة للاصلاح السياسي والاقتصادي في تاريخ تركيا الحديث، ومع ان هذه الحملة تتم استجابة لشروط انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي، لكنها تزامنت مع تنفيذ برنامج للاصلاح الاقتصادي حدد تفاصيله صندوق النقد الدولي، مقابل افراج المؤسسة الدولية عن قروض يزيد حجمها عن ثلاثة مليارات دولار، وذلك لاخراج الاقتصاد التركي من الازمة الخانقة التي يتخبط فيها منذ اوائل العام الجاري، وقد حدث كل ذلك وسط أزمة سياسية متشعبة زاد الوضع الصحي المتدهور لرئيس الحكومة زعيم حزب اليسار الديمقراطي بولنت اجاويد من تعقيداتها. وفي حين تواصل الاحزاب القومية انتقاداتها لما تسميه خضوع الحكومة التركية لضغوط واملاءات الاتحاد الاوروبي ومؤسسات النقد الدولية، وتؤكد رفضها تقديم تنازلات جوهرية على حساب «المصالح القومية التركية»، بدأت القوى السياسية على اختلاف اتجاهاتها استعداداتها لخوض الانتخابات التشريعية المقررة مبدئياً في نوفمبر المقبل، حيث ترى فيها فرصة لاعادة ترتيب الوضع السياسي الداخلي وفق خريطة جديدة تنسجم مع معطيات المرحلة المقبلة. على ان الاحزاب والقوى السياسية كافة تنظر الى هذه التطورات بكثير من القلق لما يمكن ان ينشأ عنها من تبعات ومسئوليات، خصوصاً ما يتعلق بالانضمام الى الاتحاد الاوروبي والاندماج في آليات عمله، والضوابط المشددة التي يتعين على تركيا الالتزام بها حتى تستطيع التأقلم مع تقاليد الانفتاح الجديدة ومستلزماتها الكثيرة. انطلاقاً من هذه الوقائع والالتباسات ليس من المتوقع ان تكون الرحلة التركية في اتجاه العالم الاوروبي الجديد سهلة وممهدة وخالية من العقبات. فبرغم ان احتمال انضمام تركيا الى الاتحاد الاوروبي ورد في اتفاق الشراكة بينهما عام 1963، الا ان طلبها رفض مرتين بعد ذلك: في عام 1990 ثم في عام 1997. كما ان ثلاث سنوات مرت حتى الآن على اعلان قبول ترشيحها لعضوية الاتحاد (نهاية عام 1999) دون ان يحدث تطور ايجابي حاسم في اتجاه الانضمام النهائي. ومع ان انقرة اعتبرت انها اوفت الآن بالشروط الاوروبية، من خلال الاصلاحات السياسية التي اقرها برلمانها، الا ان الاتحاد الاوروبي قد يكون له تقييم آخر مختلف، في ضوء تفاصيل التشريعات والتعديلات التركية المقررة من جهة، وفي ضوء جدية تطبيقها من جهة اخرى. وبالاضافة الى عملية التقييم الاولية التي ستجريها المفوضية الاوروبية على اساس النصوص القانونية المصدقة، فإن المفاوضات بين الجانبين، التي لا يتوقع ان تبدأ قبل نهاية العام الجاري (خلافاً لرغبة انقرة التي تريد مفاوضات فورية)، ستستغرق اعواماً عدة، كما حدث بالنسبة لدول اخرى انضمت سابقاً الى الاتحاد، ما يتيح لرئاسة الاتحاد مراقبة مدى التزام الحكومة التركية بتعهداتها المعلنة. وبقدر ما تتطابق النصوص القانونية مع سلامة التطبيق، بقدر ما يتم اختصار المسافة الزمنية بين بدء المفاوضات ونهايتها. فثمة امور كثيرة داخل النظام التركي لابد من تغييرها، ابتداء من رفع يد المؤسسة العسكرية عن القرار السياسي، وانتهاء باشاعة روح الديمقراطية والشفافية في الحياة السياسية، مع خلق تقاليد جديدة تعبر عن الاحترام الفعلي لحقوق الانسان، سواء تعلق الامر بالأقليات العرقية والدينية، او بحقوق المواطن التركي نفسه. بانتظار الموقف الأوروبي ومن المقرر ان تصدر المفوضية الأوروبية في اكتوبر المقبل تقريرها الشامل عن جميع الدول المرشحة للانضمام الى الاتحاد الاوروبي، بما في ذلك تركيا، مع ارفاقه بتوصيات محددة تتعلق بالدول التي ترى المفوضية انها مؤهلة للانضمام الى الاتحاد، بحسب معايير كوبنهاغن التي تحدد شروط قبول العضوية. وسيعرض هذا التقرير على القمة الاوروبية المقرر عقدها في كوبنهاغن في 12 ديسمبر المقبل، حيث تتم الموافقة على الترشيحات المقبولة للانضمام، ثم دعوة الدول المعنية لاستكمال الشروط المطلوبة واعداد ملفاتها لمباشرة المفاوضات مع المفوضية الاوروبية. ومع ان المفوضية الاوروبية رحبت بالاصلاحات التركية واعتبرتها «خطوة ايجابية جداً الى الامام»، لكنها اعلنت في الوقت نفسه انها «ستطلب توضيحات في شأن بعض النقاط المتعلقة بالحقوق التي سيحصل عليها الاكراد والاقليات الدينية مستقبلاً». اما رئيس الحكومة التركية بولنت اجاويد فقد اعلن في اعقاب اقرار الاصلاحات السياسية ان «تركيا استوفت كل المعايير السياسية للاتحاد الاوروبي مع سلسلة الاصلاحات التي ستطبقها، ولا يمكن لأحد ان يدحض ذلك». واضاف ان تركيا اليوم «اكثر حرية وديمقراطية واوروبية»، مؤكداً ان «الاسوار القائمة بيننا وبين الاتحاد ستهدم». مضمون التشريعات الجديدة تركزت الاصلاحات التركية، التي انتظمت ضمن خمسة عشر تشريعاً وقانوناً جرى تصديقها، على ثلاثة مفاصل رئيسية: ـ الاول، إلغاء عقوبة الاعدام، والحد من حرية رجال الشرطة في تنفيذ عمليات الدهم والاعتقال والتوقيف من دون اذون خاصة. ومن الواضح ان المستفيد الاول من الغاء عقوبة الاعدام هو عبدالله اوجلان زعيم الحزب العمالي الكردستاني الذي سبق للاتحاد الاوروبي ان تدخل لوقف تنفيذ الحكم الصادر باعدامه قبل عدة سنوات وفي هذه الحالة فإن العقوبة البديلة ستكون السجن المؤبد. اضافة الى عدم اللجوء الى التعذيب في السجون والمعتقلات وخلال التحقيق مع المعتقلين لأسباب مختلفة. ـ الثاني: منح حقوق ثقافية للاكراد تتيح لهم التعبير عن خصوصيتهم. وسيسمح لهم عبر التشريعات الجديدة بتدريس اللغة الكردية في المدارس الخاصة واستخدامها في النشر والاعلام غير الرسمي. وكذلك سيتم رفع حالة الطوارئ عن بعض محافظات جنوب شرقي تركيا ذات الاغلبية الكردية. وفي الاطار نفسه، تسمح التعديلات المصدقة للجمعيات والاوقاف التابعة للأقليات الدينية (اليهود والارمن) بحرية التملك وشراء الاراضي والعقارات في تركيا وكان ذلك محظوراً تماماً. كما ان الاحزاب القومية ابدت معارضتها الواضحة لهذا التعديل. ـ الثالث، اطلاق الحريات العامة على مختلف المستويات: حرية التعبير، حرية التظاهر، حرية الاجانب المقيمين في تركيا بانشاء الجمعيات والمؤسسات والمشاركة في النشاطات السياسية والاعلامية كما جرى تعديل قانون الجمعيات في شكل يسمح للجمعيات الاجنبية بالعمل في تركيا وفتح فروع لها. وفي هذا المجال ايضاً قضى احد التعديلات القانونية بالموافقة على التزام تركيا بما تصدره محكمة حقوق الانسان الاوروبية من احكام، واعادة محاكمة من تحكم محكمة حقوق الانسان الاوروبية لمصلحته في تركيا. اليونان والمشكلة القبرصية بيد ان هناك شرطين اوروبيين لم يتضح تماماً كيف ستتعامل الحكومة التركية معهما: ـ الشرط الاول، يتعلق بتسوية النزاع الحدودي مع اليونان ويتناول هذا النزاع التاريخي الطويل عشرات الجزر الصخرية في بحر ايجه. وكانت تركيا واليونان، وكلاهما عضو في حلف شمال الاطلسي، اطلقتا حواراً عام 1998 ترجم تحسناً لافتاً في العلاقات بين البلدين وتضامناً لا سابق له اثر الزلازل التي ضربتهما عام 1999، ومنذ ذلك الوقت وقع الجانبان عدة اتفاقات للتعاون الثنائي في مسائل ثانوية. على ان العلاقات لم تتطور بينهما الى مستوى معالجة القضايا الجوهرية وفي مقدمتها النزاع الحدودي. واذا لم يحدث ذلك، سيظل الملف التركي ناقصاً وغير مستوف لكامل الشروط المطلوبة. ـ الشرط الثاني يتمثل في تسوية المشكلة القبرصية، التي يعود تاريخها القريب الى عام 1974، او على الاقل امتناع انقرة عن الاعتراض على انضمام الجمهورية القبرصية (القبارصة اليونانيون) الى الاتحاد الاوروبي وبحسب الجدول الزمني للاتحاد فإن انضمام قبرص سيتم عام 2004 الى جانب عدد من الدول الاخرى. وفي هذا الشأن، ذكر مسئول الماني ان الاتحاد الاوروبي «لا يريد ان يعاقب القبارصة اليونانيين بجعلهم ينتظرون الى ان تنفذ تركيا الشروط المطلوبة منها والمتعلقة بحقوق الانسان والمشكلة الكردية والقضية القبرصية خصوصاً اذا كانت معايير كوبنهاغن تنطبق عليهم» واضاف: «اذا كانت تركيا تريد عضوية الاتحاد فعلاً، عليها ان تجد حلولاً لهذه المشكلات اولاً». بين التشريع والتنفيذ ثمة من يقول الآن ان اصدار التشريعات شيء وتطبيقها شيء آخر واذا كان السياسيون هم الذين اقروا القوانين الجديدة، الا ان من ينفذها هي المؤسسة العسكرية فهل تسمح هذه المؤسسة بمواصلة المسيرة التركية في اتجاه اوروبا. حتى ولو كان ذلك على حساب نفوذها وهيمنتها المديدة على الحياة السياسية في تركيا؟! كذلك فإن «بطاقة التوصية» التي تحملها انقرة من واشنطن لا تكفي وحدها لحمل الاوروبيين على التساهل في تنفيذ شروطهم، حتى ولو اظهرت تركيا تعاوناً كاملاً في موضوع ضرب العراق وفي مهمات اخرى مكملة قد تكون مطلوبة في الحرب الاميركية ضد الارهاب!! ـ كاتب لبناني