أعلن المستشار الألماني شرويدر في مستهل حملته الانتخابية الفراق البائن مع السياسة الأميركية في إعدادها للحرب ضد العراق. وكان بيانه واضحا وفاصلا وجريئا. فقد أتبع الرفض بوصف الحرب القادمة بالمغامرة، وبالتأكيد على أن ألمانيا لن تزود جنديا ولن تدفع دولارا، بل مضى في إصراره على رفض المشاركة في الحرب حتى لو رفعت رايات الأمم المتحدة. وقد يتنطع البعض للقول إن نهج المستشار الألماني قد أملته ضرورات الحملة الانتخابية، التي يبدو فيها تقدم منافسه شتويبر عليه. وهذا صحيح، وهو مركز القوة في موقفه. فالقائد ينبغي أن يتحسس مشاعر مواطنيه، وأن يستلهم مصالح وطنه. وهو إن وقف ضد الحرب القادمة فإنما كان مرشده كلا الأمرين. ولعل القوة في حديث شرويدر إدراكه لأضرار الخطط الأميركية على مصالح بلاده. فهو إن سمى الحرب القادمة بالمغامرة فهو مجاز عن طيشها، لأنها تقفو منحى التدمير والبطش سعيا نحو أغراضها. فالمستشار الألماني يعرف الأهداف الحقيقية للحرب، ويدرك أنها ستدور لتعزيز المصالح الأميركية وإضعاف مصالح البلدان الأخرى. وإذا لم يكن من اللياقة لمستشار ألماني أن يتحدث عن هذه الدوافع الأميركية، فإن أجهزة الإعلام الأوروبية والألمانية تطفح بها. والأوروبيون عموما يرون أن الحرب الأميركية لها كلفها المباشرة على مجتمعاتهم، فهم إما أن يشاركوا في كلفها مباشرة من خلال المساهمة المالية، وهو ما طلبته أميركا من خلال وفد من أعضاء كونغرسها. ويبدو أن شرويدر كان يجيب على هذا الطلب، حينما أكد أن ألمانيا لن تشارك ماليا في المغامرة العسكرية. ولكن اميركا قد تجبرهم على دفع الثمن بشكل غير مباشر، حينما ترتفع أسعار النفط. فقد كان ذلك ديدنها في حرب الخليج الثانية حينما كان رفع أسعار النفط أداة تمويل غير مباشرة لكلف الحرب، إذ مكنت بعض مصدري النفط العرب من دفع معظم نفقات حرب الخليج الثانية. لكن الأوروبيين يخشون أن يؤدي ذلك إلى كساد حاد قد يهدد مكاسبهم في حيز النظام النقدي. ولقد وجد الموقف الألماني ترحيبا في الأوساط الدولية، فروسيا أعادت التأكيد على معارضتها للحرب، وأصبح الكثير من الأوروبيين يجهرون أكثر بمعارضتهم، حتى كوفي أنان تجرأ، ولو بالقول المشروط، حينما اعتبر أن قرار الحرب غير حكيم في ضوء الظروف القائمة في الشرق الأوسط. أي أن الحرب، من باب مفهوم المخالفة، ستكون حكيمة لو غابت الانتفاضة الفلسطينية، التي يشارك في تغييبها. فالمستشار الألماني لم يكن يتحدث فقط إلى الناخب الألماني، لأنه يدرك أن دلالات قوله ستخترق كل الحدود، وستكون محورا هاما للرفض الأوروبي، بل العالمي للمخططات الأميركية. وهو يدرك أن ذلك ستكون له آثاره أيضا على النقاش الجاري داخل الولايات المتحدة. لكن صوت النظام العربي، بيضة القبان، الذي سيحسم، نعم سيحسم، النقاش العالمي حول الحرب، لا زال غائبا، ودوره لا يعدو أن يكون سلبيا، أي يكتفي بنفي المزاعم الأميركية الإعلامية، أو التذكير بقرارات عربية سابقة. ومثل هذا ترجيح للموقف الأميركي. فالموقف العربي كي يكون صادقا، ومن ثم مؤثرا، عليه أن يتجاوز الخطاب الألماني. ودواعي مثل هذا الخطاب قائمة. فالناخب العربي بقضه وقضيضه يغلي في رفضه للحرب وفي عدائه للاستكبار الأميركي، والمصالح العربية مهددة اقتصاديا وسياسيا واجتماعيا وجغرافيا. ثم إن المواطن العربي الذي يرى حمية البعض من النظام العربي في ذهابه وإيابه حينما يشتد الأمر في فلسطين من أجل التهدئة، عليه أن يظهر مثل هذا الحماس في حركته، وأن يعلن أن هذه الحرب ليست مغامرة فحسب، بل أنها أيضا تستهدف العرب والمسلمين ووحدة بلدانهم. ولذلك، فإنهم يدينون كل الحديث عنها، وأنهم ليسوا على استعداد فقط لتسهيلها، بل أن واجبهم حسب ما تمليه عليهم الاتفاقيات التي أمضوها، اتفاقية الدفاع المشترك، أن يهبوا للدفاع عن العراق، وأن يقدموا له كل التسهيلات لدرء هذه الحرب عن نفسه أولا، ولدحرها إن وقعت ثانيا. هذا هو أضعف الأيمان.