تبدو باريس مثل امرأة مجنونة.. لا تعرف متى تعانقك؟ ومتى تخنقك؟.. لا تعرف متى تغريك بالبقاء في أحضانها لتنجب منك أطفالا؟ ومتى تجرجرك في المحاكم وترفع عليك قضية نفقة لتلقي بك في سجن البستيل؟ لا تعرف متى تمنحك ميدالية الحرية الذهبية؟ ومتى تضغط على صدرك حتى تقتلك بالذبحة القلبية؟ وفي كل مرة كنت أهبط فيها باريس كنت أشعر أنني صاحب بيت.. فهي ليست مدينة باردة.. موحشة.. تكره الغرباء.. وإنما هي حورية ساحرة.. مغرية.. تعلمك أسرار الحب والحياة وتشاركك في اختيار نوع الموسيقى.. ولون الثياب.. ورائحة العطر.. ووزن قصائد الشعر.. وطبق الطعام الشهي.. المميز.. فإذا ماأصبحت في كامل أناقتك الإنسانية بدأت في تعليمك دروس الحرية.. فتجد طابورا طويلا من المعلمين الكبار في انتظارك.. يدخل الواحد منهم عليك ليقول كلمته ويمضي.. سيقول البير كامو: (أن نموت على أقدامنا خير من أن نعيش على ركبنا).. وسيقول جان جاك روسو: (إن ثمن الحرية مهما ارتفع أقل من ثمن العبودية).. وسيقول ميرابو: (النفس الحرة لا تشيخ).. وسيقول جان جاك روسو: (إذا استيقظت النفس والتمست الحرية فلا تضغط عليها بل اسمع صوتها).. وسيقول جان بول سارتر: (ينتهي أجل الأمة يوم تلفظ حريتها).. ويقول منتسكيو: (الحرية للنفس كالضوء للعين والهواء للرئة والحب للقلب). الدم الملوث لقد تعلمت دروس الحرية من مقاهي باريس وشوارعها ومتاحفها وكتابها وصحفها ومفكريها وشعرائها وتراثها السياسي والعاطفي.. تعلمت منها ان الحرية هي همزة وصل لا همزة قطع.. وأنها فن الاختلاط بالآخرين لا فن العزلة بعيدا عنهم. وأنها وسيلة التفاهم بحنان مع غيرنا لا وسيلة للقبض عليهم.. فما الذي جرى لباريس؟.. ماالذي حولها من عاصمة للذوق الى عاصمة للقهر؟.. من الذي ضربها على رأسها لتفقد ذاكرة الحرية وتستسلم للفاشية وتنام معها في سرير واحد.. وتنصب محاكم للتفتيش في العقول والضمائر.. وتهدد بحرقها وحبسها وسحقها على طريقة القرون الوسطى؟ لقد تسربت الصهيونية الى شرايين الدم الفرنسية فغيرت في تركيبة الكرات البيضاء والحمراء ورسبت الكلسترول على جدرانها فضاقت بالحرية وفرضت عليها اطفاء الأنوار وحظر التجول.. بل اجبرتها على مطاردة الرأى الآخر من بعيد بالريموت كنترول.. فلم تعد تحاسب على ماينشر بالفرنسية فقط وانما اصبحت تحاسب على ماينشر بأي لغة بشرية.. ما عدا اللغة العبرية ولم تعد تستدعي الى جهات التحقيق كتابها فقط بل اصبحت تستدعي للتحقيق أي كاتب على ظهر الكرة الأرضية ماعدا الذين يؤيدون ذبح الفلسطينيين وتشريدهم واغتصاب أرضهم وطردهم.. هؤلاء يحصلون على جائزة نوبل للسلام.. وجائزة بوليتزر للابداع.. وميدالية الأمم المتحدة لحقوق الإنسان. في يوليو عام 1881 عرفت فرنسا قانون (دريفوس).. و(دريفوس) هو ضابط يهودي قبض عليه ظلما في قضية انتهت بحبسه نحو 12 سنة.. وهو ماأثار غضب يهود فرنسا فقاموا بتحطيم كل لوح زجاج يصادفهم احتجاجا على ماجرى له.. في ليلة شهيرة في التاريخ الأوروبي عرفت بليلة (الكريستال).. انتهت بسن قانون (دريفوس) الذي يمنع الحض على كراهية اليهود والحض على ازدرائهم.. وهي تهم مطاطة.. واسعة.. يسهل تطبيقها على كل من يخالفهم وينتقد تصرفاتهم. وفي الشهر نفسه ولكن في عام 1982 نجح اللوبي الذي كان مسيطرا على الاحزاب والتيارات الاشتراكية الحاكمة في تعديل القانون بحيث يكون العقاب في انتظار كل شخص يتهمونه بالعنصرية ومعادة السامية.. وصيغ القانون بعبارات (استرتش) تجعله جاهزا لاتهام أي شخص في أي مكان.. لكن ذلك لم يرض اللوبي اليهودي... ومارس مزيدا من الضغوط كي تتسع قماشة القانون لتصل الى كل من يشكك فيما جرى لليهود. وفي الشهر نفسه ولكن في عام 1990 اصبح انكار (الهولكوست) أو المحرقة النارية جريمة يعاقب عليها القانون.. قانون يسمى قانون (جيسو - فابيو) وهو ينسب الى اثنين من أعضاء البرلمان الفرنسي هما اللذان تقدما به وشجعا عليه.. وقد أعاد هذا القانون فرنسا الى جريمة الرأى التي سادت في عصور ماقبل الثورة الفرنسية بكل ماحملت من مبادئ الحرية والعدل والمساواة.. وقد وصفه روجيه جارودي بانه قانون قمعي بعد ان حوكم به في عام 1998 وقد اثارت محاكمته كل انصار حقوق الإنسان في اربعة انحاء الدنيا.. خاصة وانه تقرر حبسه ثم خفض الحكم الى الغرامة (20 ألف فرنك) بسبب شيخوخته.. فقد كان قد تجاوز الخامسة والثمانين في ذلك الوقت.. وكانت كل جريمته هي انه اعتبر (المحرقة) اسطورة من الاساطير التي قامت عليها دولة اسرائيل.. بخلاف اسطورة (شعب الله المختار) واسطورة (شعب بلا أرض وارض بلا شعب). ولم يكن جارودي أول من عوقب على ماقال.. فقد سبقه الى مصير مشابه الصحفي البريطاني دوجلاس ريد الذي برع في تغطية أحداث الحرب العالمية الثانية واصدر كتابا في عام 1947 بعنوان (بعيدا وواسعا) لم يشكك فيه في (الهولكوست) وانما في عدد ضحاياها من اليهود.. فهم ليسوا بالملايين وانما بالآلاف.. واختفى الكتاب من مكتبات الدنيا. ولم يجد صاحبه من يوظفه في صحيفة أو مجلة أو في محطة راديو.. فاختفى وحيدا.. فقيرا.. مشردا.. ولم يكن حظه بأفضل من حظ المؤرخ البريطاني دافيد ايرفنج الذي توصل الى النتيجة نفسها فقد ضرب في مطعم (أريشكو) في شارع (سوث أودلي) بالقرب من السفارة المصرية في قلب لندن وهو يتناول طعام الافطار.. وشهد واقعة الضرب محمد حسنين هيكل واشار اليها في مقدمة الطبعة العربية من كتاب جارودي: (الأساطير المؤسسة للسياسة الاسرائيلية). التشريع المقلوب كان كل هدف اليهود في تلك المطاردات القضائية والقانونية هو الحفاظ على صورتهم كضحية.. ضحية للنازية.. وضحية للاضطهاد.. وضحية للعزلة في الجيتو.. وهي الصورة التي أوجعو بها ضمير العالم الذي اصابهم بسوء والعالم الذي أكرمهم وعاملهم بإنسانية.. كما انها الصورة التي برروا بها اغتصابهم لفلسطين وفرض ارادتهم على خريطة الشرق الأوسط.. لقد ذبحوهم في أوروبا ودفعنا نحن الثمن.. حرقوهم هناك فحرقونا نحن هنا.. لقد دفعنا نيابة عن الضمير الاوروبي كل القروض والفوائد المركبة أضعافا مضاعفة.. دفعناه بالوطن الفلسطيني ذاته تاريخا وأرضا وشعبا ومستقبلا.. على حد رأي محمد حسنين هيكل. لكن اللوبي اليهودي لما يكتف بمطاردة كل من يشكك فيما يقول أو يهز صورة اليهودي الضحية وانما قرر توسيع الاشتباه والعقاب لما هو أبعد.. قرر مطاردة كل من يقترب من جريمة تاريخية ارتكبها اليهود في يوم من الايام مثل الجريمة المثبتة التي كتبت عنها مقالي هنا في هذه المساحة منذ 18 شهرا.. والتي تتلخص في ذبح رجل دين فرنسي اسمه الأب توما وتابعه ابراهيم عمارة في حارة اليهود في دمشق واستخدام دمه في تصنيع فطيرة في عيد الفصح.. وهناك مئات من الوثائق والمستندات الرسمية المفرج عنها والتي تؤكد كل مشهد في هذه الواقعة التاريخية وكل كلمة جرت على لسان أبطالها. بل أن وزير الدفاع السوري مصطفى طلاس له كتاب صدرت طبعته الأولى منذ نحو 20 سنة بعنوان (فطيرة صهيون) نشر فيه الواقعة بدقة ووثائقها ببراعة فائقة ولكن ذلك لم يمنع المنظمات اليهودية من اثارة الغبار بضراوة حوله.. فقامت مظاهرات ورصدت بيانات ومورست ضغوط ووصلت الى حد منعه من مناقشة رسالة الدكتوراه التي تقدم بها الى جامعة (السوربون) وموضوعها (سوريا الطبيعية) أو سوريا الكبرى التي تشمل فلسطين تاريخيا.. وقد أجبر المشرفون وعلى رأسهم الدكتور بطرس غالي على الانسحاب من قاعة المناقشة وكان ان قرر مصطفى طلاس نشر الدكتوراه في كتابين بخمس لغات أجنبية. الوقائع التاريخية غير القابلة للجدال والنقاش كانت وراء صدور قرار باستدعاء ابراهيم نافع للمثول امام جهات التحقيق الفرنسية تمهيدا لطلب اخر باستدعائي حسب القانون الفرنسي.. وبناء على طلب تقدمت به منظمة يهودية تطلق على نفسها (الرابطة الدولية لمناهضة العنصرية ومعاداة السامية). وحسب قانون (جيسو) فإن المحكمة ستجري لضمير الكاتب ونية رئيس التحرير الذي أجاز النشر.. حسب هذا القانون ليس على الادعاء اثبات سوء القصد وانما علينا نحن اثبات حسن النوايا.. وهي عملية مقلوبة.. فالأصل في التشريع الفرنسي الذي تأثرت به تشريعات كثيرة في العالم ومنها التشريع المصري ان البينة على من أدعى.. وليست على من ألقوا في وجهه التهمة.. ومن ثم فإننا أمام قضية سياسية وليست قضية جنائية حتى لو كانت في حاجة الى براعة في التعامل معها جنائيا. انها قضية سياسية هدفها الأول والمباشر هو تخويف كل من يفكر في الاقتراب من الصهيونية أو ممارساتها الحالية في فلسطين.. ولن تكون هناك حصانة لأي شخص مهما كان.. فيمكن اتهام رجل دين مسلم أو مسيحي بمعاداة السامية لو فسر آية في كتابه المقدس بما لا يجد هوى عند المنظمات الصهيونية.. ويمكن ان توجه هذه التهمة الى أمين عام الجامعة العربية.. أو إلى وزير خارجية في دولة عربية.. أو إلى أي شخص أكبر أو أصغر.. فعندما يفتح الباب لا أحد يستطيع أن يتحكم في كمية الرياح. مكيال القوة إن صحيفة الاهرام قادرة على المواجهة.. وابراهيم نافع يملك من الدور والتأثير والقوة ما يجعله يتصدى لمثل هذه الهجمة. لكن. ماذا يفعل كاتب أو صحفي أو سياسي لا حول له ولا قوة ؟.. ماذا يفعل لو تجرأ وكتب مالا يرضي المنظمات اليهودية ؟.. ولو كان إبراهيم نافع يرمز للصحافة المصرية بحكم رئاسته لتحرير الاهرام وبحكم إنتخابه نقيبا للصحافيين وبحكم إنتخابه رئيسا لإتحاد الصحفيين العرب فإنه ولاشك لو فرضوا عليه ما يسعون إلى فرضه فإن لا أحد سيقدر على أن يفتح فمه أو يفتح قلمه، سترتعش الأيدي، وستقطع الأصابع.. وسيؤثر الجميع السلامة، ومن ثم فالقضية ليست قضية إبراهيم نافع، أو قضية مقال نشرته في الاهرام.. القضية هي قضية أمة عربية في مأزق. عليها أن تعيد النظر في أساليب مواجهة عدوها بما يتجاوز البيانات والتصريحات والمنشورات.. عليها أن تواجه بخبرة قانونية حاسمة. وبحمية سياسية ساخنة.. متصلة. وبمحاكمة مضادة لجرائم يرتكبها الإسرائيليون كل ساعة في فلسطين، وسبق أن إرتكبوها مع الأسرى المصريين في سيناء. باعتراف الأميركيين والإسرائيليين أنفسهم. ففي كتاب « جسم الأسرار » الذي كتبه « جيمس بامفورد » عن هيئة الأمن القومي الأميركي يكشف عن قيام رئيس وزراء إسرائيل الحالي أرييل شارون بذبح وقتل نحو ألف جندي مصري بالقرب من مدينة العريش في الأيام الأولى من حرب يونيو 1967. وفي كتابة «طريق الخداع » يشير فيكتور ستروفيسكي ضابط المخابرات الإسرائيلية المنشق إلى عملية التخلص من عالم الذرة المصري الدكتور يحيى المشد بضربه على رأسه بواسطة عملاء الموساد.. وقد ذهبت دماء هؤلاء هدرا. ولم تجد من يطالب بالقصاص ممن تخلصوا منهم.. بينما ظل اليهود يطاردون النازيين الذين اتهموا بالتنكيل بهم.. وأشهر مثال على ذلك « إيخمان » الذي خدروه وخطفوه من إحدى دول أميركا ليحاكموه في إسرائيل.. إن اليهود لم ينسوا ثأرهم، ولم ينسوا ضحاياهم.. فلماذا ننسى نحن ؟.. لماذا نظل مجرد ردود للأفعال ؟.. لماذا نثور. ونغضب ثم نهدأ. ونخفت. ونهمد ؟ إن المنظمات الصهيونية لا تترك فرصة صغيرة أو كبيرة إلا وتستغلها حتى اقتنع العالم بأنهم على حق وأصبحنا نحن أصحاب الحق على باطل.. اصبح ذبحهم للفلسطينيين نوعا من الدفاع الشرعي عن النفس.. وأصبحت المقاومة العربية للبطش والاحتلال نوعا من العنف والإرهاب وقتل المدنيين الأبرياء. لقد انقلبت الآية في عالم لا يعترف بالضعفاء. ولا يحترم إلا الأقوياء. عالم لا يعرف إلا مكيالا واحدا هو مكيال القوة. من يملك القوة يملك القانون.ومن يملك القانون يملك العدل.. ولو من وجهة نظره. وقد وصل التعسف الصهيوني في قضية الاهرام إلى حد السخرية. فمنذ أن بدأت الكتابة أسبوعيا في الاهرام وأنا أكتب تحت عنوان ثابت هو « صباح السبت ».. لكن.. المنظمة اليهودية الفرنسية التي لجأت إلى القضاء الفرنسي اعتبرت كلمة السبت إشارة ليوم السبت المقدس عند اليهود.. واعتبرت إستخدامه نوعا من معاداة السامية.. وهي نكتة بكل المقاييس.. فالسبت هو أول الأسبوع في مصر. ولا يمكن إلغائه.. أو لا يمكن الكف عن إستخدامه عنوانا ثابتا دائما لمقالاتي في الاهرام. ولا يعني ذلك سوى حقيقة واحدة هي أن المنظمات اليهودية تقف في مواجهة الأشياء الصغيرة قبل الكبيرة.. ولا تترك شيئا للإهمال والنسيان.. كل شئ عندها مهما بدا صغيرا وتافها مهما وخطير. وعلى كل يهودي في العالم أن يساندها في ذلك.. إن نشر خبر صغير لا تهضمه هذه المنظمات هو بمثابة ضوء أحمر يبرق أمام جماعات الضغط، والصحف ومحطات التليفزيون والجامعات والجمعيات الصهيونية عليها كلها أن تتحرك فور أن تراه أمام عينيها.. وفي ساعات معدودة تكون هناك حملة دولية ضد هذا الخبر.. الكل يؤدي دوره.. الكل ينفذ ماعليه. لا أحد يلقي بالمسئولية على آخر.. لا أحد يرى أن الموضوع لا يستحق.. ليس هناك خيار في العزف.. وفي الرد.. وفي التنفيذ. إن فرنسا في حاجة لإسترداد سمعتها ورحابة حريتها، ونحن في حاجة لأن نتعامل بجدية وحرفية عالية مع هذه القضية دون أن نتصور أنها قضية شخصية، أو قضية دعائية.. فالمتهمون في هذه القضية فرضت عليهم الظروف أن يقفوا في الصف الأول من المواجهة.. ولو لم يدعم الصف الأول فإن الصفوف التالية ستسقط بسهولة ولن تجد من يبكي عليها أو يصيغ لها نعي الرحيل والوفاة. ـ كاتب مصري