الانشقاق المؤقت الذي ضرب تحالف الرئيس الأميركي «جورج بوش» وتابعه رئيس الوزراء البريطاني «توني بلير» فيما يتعلق بتوجيه ضربة ضد العراق وخلع الرئيس صدام حسين، لم يأت نتيجة عودة مفاجئة لتفكير عقلاني ولجم حالة الهذيان والتخبط التي ينتهجها بوش ويمليها على حليفه بلير، ولكن جاء نتيجة ضغط الرأي العام الداخلي خاصة في بريطانيا، حيث تنامت أصوات الرفض تجاه الانحياز الأعمى وراء بوش من ناحية، والوقفة مع النفس من جانب من يرون أن ضرب العراق ليس له ما يبرره بشكل قوي في الوقت الراهن، كما أن حالة عدم الوضوح التي تسود السياسة العالمية ومحاولة الولايات المتحدة تسيير أوروبا وآسيا خلفها قد كشفت التركيز الأميركي على تلبية مصالحها ورسم مخططات استراتيجية بعيدة المدى غير مدروسة العواقب، الا ان نتائجها قد تشكل خطراً واضحاً على منطقة الشرق الأوسط واعادة صياغتها من جديد ومن ثم التأثير المباشر على المصالح الأوروبية والآسيوية. والتراجع الأميركي جاء في اطارين أولهما الانعزالية الواضحة لقرار الضرب، وانصراف الحلفاء عن تأييد بوش وثانيهما محاولة اعادة الحسابات والأولويات خاصة وأن السياسة التي ينتهجها بوش وزمرته هي سياسة أثمرتها حربه الوهمية وغير المبررة ضد ما أسماه بالارهاب وتعميم تلك السياسة على الصراع الفلسطيني الاسرائيلي في الشرق الأوسط ومحاولة فرض هيمنة وتسلطاً وارهاباً اميركياً غير مدروس شوه تماما من صورة دولة القطب الواحد التي تتشدق بقيادة العالم وتزعم دور الوسيط النزيه وقيادة حركة الديمقراطية في العولمة الجديدة، متناسية في الوقت نفسه انها تكيل بمكاييل ومعايير مختلفة تجعلها ابعد ما تكون عن احترام تستحقه وتنفرد بسياسات جنونية، مكانها الطبيعي ليس في حلبات السياسة الدولية ولكن في المصحات النفسية. ولعل هذا ما يؤكده ايضا رأي صحيفة «الاندبندنت» البريطانية في مقالة للكاتب ادريان هاملتون الذي قال «نعم نحتاج الى تغيير في نظام هذه الدولة المارقة». والدولة المارقة التي يعنيها الكاتب ليست العراق او ايران او كوريا الشمالية أو أية دولة تحاول ان تنتهج سياسة لا ترضي الرغبة الاميركية على طريقة الكاوبوي، ولكن هذه الدولة هي الولايات المتحدة الاميركية نفسها وحكومتها التي تخصص أعلى النفقات لأسلحة الدمار الشامل والحرص على بناء ترسانة عسكرية لم يعرف العالم مثيلا لها وهي نفسها الحكومة الموجودة في السلطة دون شرعية الاغلبية الديمقراطية وبوش هو الرئيس الأميركي الذي يرفض الحوار والتعامل مع الزعيمين اللذين انتخبا ديمقراطيا وهما الرئيس الايراني محمد خاتمي والرئيس الفلسطيني ياسر عرفات. اذن على الولايات المتحدة الأميركية ان تتخلص من نزعتها العدوانية الصهيونية لتأخذ مكانها بين الدول المحبة للسلام، ويجب ان يعرف بوش انه أوصل بتخبطه وعدم اتزانه في التفكير الى ان تكون الولايات المتحدة الأميركية في نظر الرأي العام العربي والغربي دولة مارقة!