كنا قد بدأنا الحديث الخاص بالمثل الصيني الذي قسم عقول الناس الى أقسام ثلاثة، حيث ألحق بالقسم الأول اصحاب العقول الصغيرة، اولئك الذين شغلهم الحديث عن الاشخاص، وألحق بالقسم الثاني أصحاب العقول المتوسطة الذين شغلهم النقاش حول الأحداث، واخيرا ألحق بالقسم الثالث من الاشخاص ذوي العقول الكبيرة من الذين شغلوا بالنقاش حول المبادئ. واليوم نقف مع اصحاب العقول المتوسطة الذين استهلكهم النقاش حول الاحداث. والسمة الغالبة لهذه الفئة من الناس انهم يعيشون دائماً في ردود الافعال، ولديهم حس عال بأهمية مواكبة الأخبار، وتتبع ما يجري على الساحة المحلية أو الدولية من قضايا ومسائل لها صفة التأثير على واقع ومستقبل مناطق وشعوب العالم، الأمر الذي يضفي على شخصيتهم قدرا من الجدية والظهور بمظهر من يشغلهم الشأن العام، ويهمهم أمر أوطانهم وما سيؤول اليه حالها في المستقبل. ومن شأن هذه الصفة اللصيقة بهم أن ترفع رصيدهم من المعلومات في الجانب الاخباري المتعلق بالقضايا السياسية، والأحداث الاجتماعية الساخنة. وان شئت الاقتراب من واقعهم أكثر فهم أناس يجيدون قراءة الصحف، ومتابعة نشرات الأخبار، كما ان ذاكرتهم تحتشد فيها أسماء عشرات القادة السياسيين الذين برزوا على مسرح الحياة الدولية أو العربية، وتزدحم بتاريخ الثورات المحلية والعربية والعالمية، الأمر الذي يجعلهم قادرين على الاستمرار في دورهم الذي اختاروه عن رغبة وارادة وهو ان يكونوا ناقلين ومتحرين لأخبار الساعة وما يجد فيها من أحداث.اضف الى هذا الدور الاستطلاعي والاعلامي اللافت حرصهم على التكهن والتخمين واستشراف المستقبل ايثارا لتكريس الدور الخاص بهذه المهمة المعلوماتية النابعة من النفس والتي لها من النفوذ على صاحبها ما يجعله محترفا في مزاولة هذا النشاط الاجتماعي الملحوظ. ومع أن هؤلاء أوفر عقلا من اصحاب المستوى الأول الذين تحدثنا عنهم البارحة ممن يتناقشون حول الاشخاص. الا ان عقولهم قصرت عن الوصول الى ما هو أبعد من مستوى النقل المجرد، او القراءة العادية للأحداث التي اشتغلوا بتتبعها!! فقد اكتفوا بالوقوف امام الخبر، وغفلوا عن الغوص في دلالاته، وتحليل اسبابه والظروف التي افضت اليه، وهو ما جعلهم اسرى الصورة الماثلة للعيان، والخبر الساخن الآني الحدوث، وكأنهم مراسلون لوكالات الاعلام، يخشون تسرب الخبر الى سواهم من المنافسين والمشاركين في سباق الفوز بالمعلومة الجديدة. بينما يؤكد الدليل العملي أنهم أفراد من الجمهور العريض ولديهم وظائف بعيدة عن العمل الاعلامي الا أنهم مهتمون غاية الاهتمام بمعرفة الجديد من الأخبار العالمية أو المحلية، وهي صفة جيدة وتدل على حيوية اصحابها ولها القدرة على ان تخلصهم بشكل عفوي وتلقائي من صفة البلادة والجمود التي ابتلي بها اصحاب المستوى الأول من التفكير الذين شغلوا بالناس ووصفوا بأصحاب العقول الصغيرة. غير أن ما يجعل اصحاب هذا المستوى الذي نتطرق اليه اليوم في المستوى العادي من العطاء والمشاركة والفاعلية هو ما أشرنا اليه من اكتفائهم بالنظر الى الموضوعات الساخنة من زاوية واحدة هي زاوية اللحظة الحاضرة دون ان يعتنوا بصرف جهودهم في استيعاب المضامين الفكرية، والايديولوجيات، والقيم، والاتجاهات الاخلاقية، والمذاهب الفلسفية، أو الاقتصادية التي أدت الى مثل تلك النتائج التي تطفو على السطح، وتتناقلها وكالات الانباء. ولا يخفى على ذوي العقول الراجحة بأن تعرية الاحداث من هذه الاوعية والمضامين هو اغفال للمؤثرات الحقيقية التي صاغت تلك النتائج البارزة وفق نظامها الخاص واهدافها الرئيسية. ومن الغريب ان اقصاء هذه المؤثرات يعد لأصحاب هذا المستوى أمراً مألوفا وليس فيه أي تقصير في فهم الحقائق. بينما تؤكد الأدلة والشواهد أنه ما من جرم يقع في الارض الا وله منطق شائن يبرره ويدافع عنه، كما انه ما من خير يصيب البشر الا وله نظامه الفكري الذي يحترم الانسان، ويراعي آدميته بغض النظر عن جنسه أو لونه أو بلده. ان هذا الجهد العقلي في استيعاب الأفكار والاتجاهات ورد الأسباب الى المسببات، والنتائج الى العلل، هو ما لم يدركه أصحاب هذا المستوى، وما عجزت عقولهم عن الوصول اليه، بينما اشتغل به أصحاب المستوى الثالث من الذين توفر لهم العقل، وامتلكوا الفهم والقدرة على رؤية الزوايا الداخلية والعميقة التي شكلت أحداث الحياة. ولنا مع هؤلاء وقفة في زاوية الغد ان شاء الله.