مع انتشار موضة المقاهي المودرن وازدياد اقبال البشر عليها نشأت في الظل قصص النادلات الجميلات اللواتي يستقدمن خصيصاً من بلد اشتراكي سابق لخدمة زبائن المقهى والسهر على طلباتهم. وجُملة النادلات الجميلات فيها شحنة شاعرية عالية الوجدانية تناسب ان تكون عنواناً لرواية او لفيلم سينمائي، وبهذا الصدد يتذكر المرء القصة اليابانية «الجميلات النائمات» للكاتب الياباني ياسانوري كواباتا وهي رواية بسيطة عن مجموعة من الرجال العجائز الذين يترددون على بيت فيه فتيات شابات ينمن بهناء وراحة دون الاقتراب منهن أو ايقاظهن أو ملامستهن، فقط على العجائز ان ينظروا الى الجمال النائم ويتذكروا شبابهم الغابر.. ولعل ذلك مبعث سعادة لهم. وبهذا الصدد أيضاً كتب غابرييل غارسيا ماركيز مقالاً حول رحلته بالطائرة من بوغوتا الى باريس لحضور مؤتمر يشارك فيه عدد كبير من الروائيين اليابانيين والى جانبه كانت فتاة آسيوية تنام مسندة رأسها الى ذراع المقعد وقد انسدل شعرها الفاحم على خدها الابيض الناعم وانفها الصغير يكاد يضيع في تفاصيل بهاء طلتها وعندها تذكر ماركيز رواية «الجميلات النائمات» وكأنه واحد من العجائز اليابانيين الذين يزورون بيت الجميلات ليتذكروا شبابهم الآفل. ولا نريد الاسترسال فيما قاله ماركيز عن الفتاة التي تنام بجواره في الطائرة ولكن عندما وقف الروائي الكولومبي الشهير امام ضابط الجوازات الذي سأله عن اسمه فقال: ـ غابرييل غارسيا ماركيز. ـ عمرك؟ ـ تسعون عاماً. ـ مهنتك؟ ـ روائي ياباني. نعم لقد تمنى ماركيز ان يكون روائياً يابانياً لشدة تعلقه بالجميلات النائمات أو لشدة سطوة الجمال على المتقدمين بالسن. ولان الجمال بالجمال يذكر، كما هو الحال بالنادلات او النائمات، فلقد امتلأت حقائب النادلات بأرقام الهواتف أو ببطاقات التعريف، حيث يأتي احد الرواد إلى «الكافي شوب» لاحتساء فنجان من القهوة لكن النادلة الجميلة تجندله بعينيها النجلاوين وسرعان ما يقول لها: «فروم وير» يعني بالانجليزية من اي بلد، فترد بانجليزية مدرسية «ايام فروم يوكرانيا» أو ربما قالت بلغاريا أو لاتفيا أو استونيا.. المهم انهن جميلات جئن من هناك. وبعد عدة جمل مكعكعة بالانجليزية يعطيها الزبون بطاقة تعريفه طالباً منها أن تحاكيه.. لكنها لا تحاكيه بل تضم بطاقته الى مئات البطاقات الاخرى في حقيبتها. اما لماذا يعطيها البطاقة فلأنه يعتقد انها فتاة مسكينة جميلة وغريبة وليس لها أحد ولابد من عنتر بمواصفاته ان يحميها، وهكذا ينتظر رنة هاتفه ولكنها لا ترن له.. حتى يعاود الكرة فيأتي الى الكافي شوب في اليوم الثاني مصطحباً معه صديقه ليعرفه الى نادلة شرقية تطير العقل، ولكنها لا تأبه بل تبتسم للبقشيش المحرز وتقول بفصاحة شكسبيرية «ثانك يو» واذا عاود الزبون الكرة وجاء مرة ثالثة برفقة ثلة من اصدقائه ستقول لهم الشيء نفسه.. حتى يدب اليأس في قلب الزبون فيبدل مقهاه ويجرب حظه مع نادلة جميلة أخرى.. والخلاصة ان العلة ليست في النادلة، بل في من ينظر الى هذه المهنة نظرة دونية لاعتقاده انها مهنة وضيعة ليست لائقة، رغم انها مهنة تتطلب لباقة وذوقاً عاليين وهنداماً حسناً ووجهاً بشوشاً وطلة مشرقة وكل ذلك بالاضافة الى شهادة علمية تؤكد انتساب هذه الفئة الى احدى الجامعات أو المعاهد وتم تدريبها عملياً لخدمة الناس بلطافة وتم تعليمها أكثر من لغة اجنبية لتصبح على هذه الشاكلة. لكن عندما تقاس مقامات الناس بمستوى الاجور او ما يتقاضونه من رواتب تسقط معادلة الاخلاق في بئر من سوء الفهم فالاجور هي قوانين السوق، والاخلاق هي قوانين البشر.. يا بشر.