العدل حين يغيب «كل وجدان كبير هو ابن لمعرفة كبيرة». ( ليوناردو دافنشي) ـــ تلعب الولايات المتحدة دور الأخ الأكبر (BIG BROTHER) على النحو الذي تصوره الكاتب البريطاني الشهير جورج أوريل في روايته 1948. الرواية التي كتبها اوريل في نهاية الاربعينيات من القرن الماضي تتخيل شاشات تلفزيونية يطل منها اشخاص يتلون تعليمات القائد في اطار سلطة كاملة مهيمنة .. ويراقبون في الوقت نفسه افكار الأفراد.. شيء من هذا القبيل يجري على ارض الواقع منذ انهيار الاتحاد السوفييتي وحتى الآن.. وبعد ان كانت اميركا اللاتينية وحدها حديقة خلفية تمددت حدود هذه الحديقة لتشمل العالم كله.. اصبحت اجهزة المخابرات تدرس كل تجمع بشري في العالم لتعرف ماذا يأكل أو يشرب.. ما نوع ملابسه الداخلية.. ماذا يكتب في رسائل الانترنت.. ماذا يقول في مكالماته الهاتفية... ليس ذلك فحسب بل اصبحت تبحث في النيات وخلفيات التكوين الثقافي والمعرفي.. ولا أحد يعرف الى أين تتجه الولايات المتحدة بالعالم بعد ان احكمت سيطرتها على كل شيء ولم تعد هناك قيم اخلاقية تضمن عدم المس بالحرمات الشخصية للافراد والحرمات الوطنية للبلدان والأمم. ولان حضارة الولايات المتحدة.. ابنة المئتي عام أو يزيد قليلاً.. فهي لا وجدان لها. علينا ان نعذرها حينما لا تتفهم آلامنا وأوجاعنا.. ولا تلتفت الى قضايانا العادلة وبدلاً من ذلك تقهرنا وتجبرنا على تبني وجهات نظرها.. والرؤية من خلال منظارها المبرمج خطأ.. لا ينبغي ان تكون الولايات المتحدة مسئولة عن تصرفاتها.. فبمقياس الحضارة هي لا تزيد عن طفل عمره عامان استيقظت قريته الكونية على مفاجأة.. فطفل العامين صحا الناس ذات اليوم فوجدوا طوله مترين.. نبت شاربه ثم نما. أصبحت له عضلات مفتولة.. وسواعد قوية.. ووجدوه يمسك رشاشا سريع الطلقات ويجلس في أكبر ميادين المدينة يتسلى باصطياد الناس واثارة فزعهم ... يرى الدنيا كلها مجرد لعبة.. يبنيها ويهدها كما يشاء. ذلك حالنا مع أميركا.. وحال العالم بأكمله.. هي لا تدرك ماذا تفعل والآخرون لا يملكون منعها من أن تلعب!! ـــ «العدل أساس الملك» ليست مجرد عبارة انشائية موروثة وإنما هي حكمة علمنا اياها التاريخ.. في زمن لم يعد يحفل بالتاريخ كثيراً. لكنه هنا.. قابع بالقرب منا.. يرانا من حيث لا نراه.. ونراه نحن بأثر رجعي لنطالع صورتنا الحقيقية على مرآته. ولأن سادة العالم الجدد غير عادلين فلا مفر من التفاؤل فهذا البناء المتطاول لابد ان ينقض ذات يوم قريب.. لان الظلم لا يدوم وان دام دمر. ولكي ينداح عنا الظلم نبقى في حاجة الى حكام عادلين.. فبهم يمكن ان نصبح سادة للعالم من جديد.. ليس هذا مجرد شعارات ولا اضغاث احلام.. وانما ما يخرج به اي قاريء منصف للتاريخ. ـــ أيامنا هذه تشبه فترة الغزوات الصليبية .. التفكك.. والتخاذل.. وانعدام الهمة.. وغياب المروءة.. واهتمام كل قطر وربما كل فرد بشأنه الخاص.. التصالح مع الاعداء رغم احتلالهم أوطاننا.. ومحاولة تجنب أنياب الطامعين ولو بادعاء صداقتهم. عدت الى صفحات التاريخ لاحاول معرفة المواصفات الشخصية لاولئك القادة الذين استطاعوا نقلنا في السابق من ظلمة التردي الى النهوض ومن جلد الذات الى الافتخار بالذات.. ومن لوعة الانكسار إلى نشوة الانتصار. يقول ابن الأثير عن نور الدين زنكي: كان زاهداً متواضعاً. ادنى الفقراء في زمانه أغلى نفقة منه. عندما شكت زوجته الضائقة المالية اعطاها ثلاثة دكاكين له بحمص وقال لها: (ليس لي إلا هذا.. وجميع ما بيدي انا فيه خازن للمسلمين. لا اخونهم فيه، ولا أخوض نار جهنم لأجلك). وعندما جاءه التشريف من الخلافة العباسية، تضمن قائمة بألقابه التي يذكر بها على منابر بغداد تقول: (اللهم اصلح المولى السلطان، الملك العادل، العالم العامل، الزاهد العابد، الورع المجاهد المرابط المثاغر، نور الدين وعدته، ركن الاسلام وسيفه، قسيم الدولة وعمادها، سيد ملوك المشرق والمغرب وسلطانها، محيي العدل في العالمين، منصف المظلوم من الظالمين، ناصر دولة أمير المؤمنين) أوقف نور الدين زنكي هذا كله. واكتفى بدعاء واحد هو (اللهم وأصلح عبدك الفقير.. محمود بن زنكي). كان يسمع نصيحة العلماء ويقول ان البلخي إذا قال لي «محمود» قامت كل شعرة في جسدي هيبة له.. ورق قلبي. وكان نصيراً للمظلومين نقل عنه قوله «حرام على كل من صحبني ألا يرفع قصة مظلوم لا يستطيع الوصول الي» ذات يوم استدعاه احد القضاة لان فردا من الرعية رفع عليه قضية فقال نور الدين «السمع والطاعة انما كان قول المؤمنين اذا دعوا الى الله ورسوله ليحكم بينهم ان يقولوا سمعنا واطعنا. اني جئت امتثالاً لامر الشرع». اما صلاح الدين الذي يحاول البعض تشويه صورته بعدما اصبح العرب والمسلمون يتعلقون به ويرونه نموذجاً لمن يمكن ان يخرج الاوطان من ذل الانكسارات التي نعيشها الى عز الانتصارات.. فقد كان عادلاً رحيماً.. ناصراً للضعفاء.. كريماً حسن العشرة لطيف الاخلاق.. طاهر المجلس والسمع واللسان والقلم. مات صلاح الدين ولم يكن لديه من الاموال ما تجب فيه الزكاة، فقد استنفدت صدقة النفل جميع ما ملكه.. ولم يخلف في خزائنه من الفضة والذهب إلا 47 درهماً ناصرية وديناراً واحداً ذهبا.. ولم يخلف ملكاً ولا دارا ولا عقاراً ولا مزرعة.. وفي السنة التي توفي فيها عزم على الحج ولكن منعه ضيق الوقت وضيق ذات اليد. ـــ الولايات المتحدة لن تستطيع ان تفهم حقوقنا لان وجدانها صغير ونظرها قصير ونحن امة مركبة ومهلهلة وتفتقد لقادة عادلين يجمعونها ويعكسون صورتها الحقيقية.. حضارتها الطفلة ليست مبنية على معرفة بالآخر.. والآخر (نحن) حالياً لا يغري احداً بمعرفته.. وحضارتنا شاخت... وأصابتها الشروخ.. وانعكس ذلك في ثقتنا بأنفسنا وانصياعنا للآخر. (اغنية) قلت لكم مرارا ان الطوابير التي تمر في استعراض عيد الفطر والجلاء (فتهتف النساء في النوافذ انبهارا) لا تصنع انتصارا ان المدافع التي تضوي على الحدود في الصحارى لا تطلق النيران.. إلا حين تستدير للوراء إن الرصاصة التي ندفع فيها ثمن الكسرة والدواء لا تقتل الاعداء لكنها تقتلنا.. اذا رفعنا صوتنا جهارا «أمل دنقل»