السجل الذي طرحه النظام في العراق على العرب والعالم منذ عام 1990 حتى اليوم لم يسمح بتطوير ما يساعد على مخرج للأزمة العراقية، فقد ظل النظام العراقي منغلقاً على نفسه في الداخل، قامعاً للشعب العراقي بكل فئاته وفي حالة صراع مستمرة مع العالم المحيط به ومع الولايات المتحدة، ومع كل عام احتفل بذكرى الغزو على الكويت، وفي كل عام احتفل بما يسميه «انتصار على الحلفاء»، مع ان الجميع يعلم ان تلك الحرب وذلك الغزو لم يكن انتصاراً للنظام بل وبالاً على العراق وعلى العرب. وعلى مدار السنوات ظل النظام العراقي يشن الحملة السياسية وراء الحملة ضد المعارضة داخل وخارج العراق وبالوقت نفسه ظل في أزمات متتالية ضد دول عديدة. ظلت الحال تمر من أزمة إلى أخرى، فعندما تتحسن علاقاته مع تركيا تسوء مع ايران، وعندما تتحسن مع إيران تتوتر مع تركيا، وعندما تتطور مع الاثنين نراها تتدهور مع المملكة العربية السعودية والكويت. بل يمكن القول بالكثير من الدقة ان النظام العراقي كان بامكانه ايجاد حل وسط للأزمة في اطار تقديم بعض التنازلات التي تتعلق بقضية التفتيش في زمن الرئيس كلينتون الذي عرف عنه بالمرونة نسبة للرئيس بوش. لكن هذه الفرصة أهدرت كما أهدرت الفرصة الأكبر بامكان اعادة تأهيل العراق بعد حرب تحرير الكويت. الروحية التي تسود النظام العراقي هي في جلها تعبير عن أكثر الأنظمة العربية تسلطاً على شعوبها، وتعبير عن أكثر الأنظمة العربية قمعاً للجماهير وأقل الأنظمة العربية فهماً لأساليب العمل السياسي في العالم. النظام في العراق مسئول عن اختفاء أكثر من 16 ألف مواطن عراقي في أرض العراق دون ان يعرف أحد شيء عن مصيرهم، وهو ذاته المسئول عن اختفاء 600 كويتي لا يعرف شيء عن مصيرهم أيضاً. هذا لا يعني اننا لم نشهد نسبة من العقلانية في السياسة العراقية في السنوات العشر الماضية، فالعراق سعى لمصالحة الكثير من العرب، وسعى لمصالحة المملكة العربية السعودية والكويت مؤخراً، وقد وقع تقدم محدود في هذا المجال. العراق سعى لفتح ما يسمى بالمناطق الحرة في أكثر من دولة عربية، كما ان العراق اعترف بالترسيم بين الكويت والعراق، وسحب حشوده التي حشدها على الكويت عام 1994 بعد التهديدات الأميركية. هناك عقلانية عراقية تبرز بين الحين والآخر، ولكنها في جلها تأتي متأخرة عن الحدث، وتأتي في ظل ضغط كبير يتعرض له النظام من الخارج بمعنى آخر لا تأتي المرونة العراقية كما هو الأمر الآن مع دعوة العراق لوفد من الكونغرس في ظل فهم متوسط الأمد لمصالح العراق الوطنية والاقليمية، بل تأتي في ظل أزمات كبيرة يرمي من خلالها النظام في العراق بمصالح الشعب العراقي وانجازاته عرض الحائط. ويقف النظام العراقي الآن كهدف للولايات المتحدة التي حسمت مسألة تغيير النظام العراقي بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر وهي في بحثها عن الاهداف واعادة ترتيب الخرائط تجد في النظام العراقي هدفاً جاهزاً يمكن بناء اجماع عراقي معارض وشعبي عليه وبناء اجماع أميركي داخلي عليه، المشكلة العراقية كانت وما زالت على برميل من البارود منذ عام 1991، وما سلسلة الأزمات المتتالية بين العراق ومجلس الأمن والولايات المتحدة إلا تعبير عن استمرار الحرب التي بدأت عام 1990 باحتلال الكويت، بمعنى آخر ان حسم الوضع مع النظام العراقي ظل هدفاً مطروحاً في الساحة السياسية الأميركية، وذلك لأنه نظام لم يستطع التأقلم مع نتائج حرب 1991، وظل يخوض معركة لا جدوى منها، ولا فائدة مع الولايات المتحدة (مثله في هذا مثل الاتحاد السوفييتي سابقاً) بينما الشعب العراقي يرزح تحت ظروف اقتصادية واجتماعية وسياسية في غاية الخطورة والسوء، لكن احداث الحادي عشر من سبتمبر والهزة الكبيرة التي تعرضت لها الولايات المتحدة هي المسئولة بشكل مباشر عن تحويل الاتجاه الأميركي العام إلى سياسة عملية مستعدة لدفع ثمن الاطاحة بالنظام. الادارة الأميركية الراهنة قررت ان تسير في طريق الحسم بعد ان اقتنعت بأن بقاء النظام والمواجهة الدائمة في مناطق الحظر الجوي تصب بشكل مباشر في الارهاب واستمراره في المنطقة، لقد اكتشفت الادارة الأميركية بعد سبتمبر ان سياسة الاحتواء المزدوج وسياسة احتواء النظام العراقي قد سقطت واكتشفت انها لا تمتلك الوقت لخطة سياسة احتواء جديدة، بل اقتنعت الآن ان احداث سبتمبر تقدم لها الفرصة لفرض هذا التغير وللتأثير على مسار المنطقة السياسي من خلال ادخال أشكال من الديمقراطية إلى العراق أولاً. لقد أصبح تغيير النظام العراقي أساسيا للخريطة الجديدة في منطقة الشرق الأوسط والتي تقول بأن الانغلاق في الدول العربية على الشعوب وضعف التغير السياسي والديمقراطية والتنمية هي الأسباب الرئيسية المؤدية لاحداث الحادي عشر من سبتمبر. الفرضية الأميركية ترى بعض الربط مع القضية الفلسطينية لكنها لا تعتبره العنصر الرئيسي في ارهاب بن لادن والجماعات المتطرفة في منطقة الشرق الأوسط، في الكثير من التفكير الاميركي ما يعتبر ان العنوان هو في العراق ومن بعده تشجيع الديمقراطية والمجتمع المدني في المنطقة العربية، وفي ايران على المدى المتوسط وحل القضية الفلسطينية على المدى القصير، وبينما ستلجأ الولايات المتحدة للحل العسكري مع العراق إلا انها لن تلجأ للحلول العسكرية مع أنظمة عربية أخرى لا تشاطرها الاتجاه، وذلك لانتفاء صفة العداء الشامل والمطلق ولتوفر أرضية المصالح المشتركة ولغة التأثير المتبادل، اضافة إلى قناعة الولايات المتحدة ان الكثير من الانظمة سوف تكون في المرحلة المقبلة أكثر تقبلاً وأقل مقدرة على معارضة مبدأ التغير الانتخابي والديمقراطي والانفتاح. ولكن أسبابا أخرى اضافية تعزز التوجه الاميركي تجاه العراق، فالفوز بجائزة اعمار العراق تمثل شيئاً ايجابياً للولايات المتحدة، كما ان جعل العراق يستخرج ما يريد من النفط وتعويم السوق بنفط عراقي يصل لخمس ملايين برميل يومياً لقاء أسعار نفطية أقل على صعيد السوق العالمي ودول الأوبيك يمثل أحد الأهداف الأميركية، ومن الأهداف الأميركية في العراق: وجود هدف عربي للرد على احداث الحادي عشر من سبتمبر نظراً لأن المهاجمين عرب، فحتى الآن جاء الرد في أفغانستان وهي دولة غير عربية، ولا ننسى ان نذكر ان تغير النظام العراقي (يقول مؤيدو التوجه) سوف يعطي الولايات المتحدة توجهاً جديداً يقوم على معارضتها الأنظمة وتحالفها مع الشعوب (وهذا يشكل عنصر رد على أحداث سبتمبر الماضي) وان تغير النظام في العراق سوف يكسب الولايات المتحدة (وفق المنطق المؤيد لهذا التوجه في الادارة الاميركية وخارجها) صادقه الشعب العراقي، كما يحاول بعض الأميركيين تبرير الضربة للعراق. ـ أستاذ في قسم العلوم السياسية في جامعة الكويت