مما هو من المشكوك فيه ان يكون من الممكن التمييز التام بين «البحث الاساسي» او «البحث الخالص»، من ناحية، والبحث «الموجه» او البحث «ذي الغرض» من ناحية اخرى. عند العطف او اللي المعين الذي قد يبدأ عند الشروع في البحث او خلال اجرائه يصبح البحث الاساسي بحثا موجها. وليد مختلف المؤسسات والسلطات ـ الصناعية والعسكرية والاقتصادية والثقافية ـ وجود في توجيه وتكييف البحث وتحويله من البحث الخالص الى البحث الموجه. وللباحث نفسه اثر في هذا التوجيه، وذلك لان الانسان لا يمكنه ان يوجد مسافة بين نفسه والموضوع او ان يعزل نفسه عن الموضوع. وذلك الطرح ينطبق ايضا على ابحاث مؤسسات البحث. هذه الابحاث لا يمكن ان تكون مستقلة استقلالا تاما عن المؤسسات والسلطات المذكورة أعلاه، ولا يمكن لتلك البحوث ان تنغلق في وجه حضور تلك المؤسسات والسلطات. لكل مؤسسة ابحاث، ومنها الكليات، موقعها في المجتمع والدولة، لكل منها مرحلتها في التطور ومستواها وطريقتها في العمل وفي الاستجابة الى نشاط المجتمع والدولة. وبالتالي فان لكل منها طريقتها في التعامل مع المؤسسات القائمة. وتتفاوت مؤسسات البحوث والدراسة في بقاع العالم كافة تفاوتا ملحوظا في مدى تأثيرها فيما حولها وفي مدى تأثرها بما حولها من المؤسسات الاجتماعية بالمعنى الاعم للعبارة. وبالتالي فان مفهوم استقلال اية مؤسسة دراسية مفهوم غامض ومشكوك في صحته. يمكن ان تكون اية مؤسسة دراسية حريصة على الاستقلال ويمكن ان تقول انها مستقلة، ولكنها لا يمكن ان تحقق الاستقلال التام. مراكز البحوث تقع داخل المجتمع والدولة ولا مفر من ان تتأثر بهما كما انها تؤثر فيهما. في حياة المجتمع البشري تحقيق الامور او تجليها ليس كاملا. حيث الامور ليست مثالية، تحقيق الصفات او تجليها نسبي. صفات الاستقلال والسعادة والطمأنينة والأمن والسلامة والعدل والنزاهة صفات مثلى. انها مثل. ولا تحقق على ارض الواقع تحققا كاملا. والاعتقاد بتحققها على أرض الواقع ضرب من الوهم. وتتفاوت هذه الصفات وغيرها كثير في مدى امكان تحققها على ارض الواقع وفي مدى تحققها الفعلي. ويتوقف هذا التفاوت على عوامل عديدة معروفة. وهي عوامل تكرر ذكرها كثيرا في الدراسات الاجتماعية والنفسية والثقافية، ومنها الدراسات المتعلقة بعلم اجتماع المعرفة. ومن هذه العوامل مدى الوعي عند البشر وتوقعاتهم في الحياة وطبيعة رؤيتهم للامور وطريقة تنشئتهم وطبيعة النظام الاجتماعي: كيفية توزيع الموارد المالية والقيمية والرمزية، وسهولة او صعوبة انتقال الفرد من طبقة ينتمي اليها الى طبقة اعلى «من الانطلاق من ان كل المجتمعات البشرية طبقية»، ومدى توفر الحرية الفكرية في شتى مجالات الحياة. ونتيجة عن عوامل ذكرناها في سياق هذا المقال، منها عجز العقل البشري عن ايجاد لغة لديها قدرة اكبر على التوصيل والاتصال وعجز اللغة عن الاعراب عن المعقولات، اي ما يعقله العقل، وانعدام الدقة في الاداء اللغوي في كل اللغات، وعلى وجه الخصوص اللغات الاقل نموا وتطورا، والتغير المستمر للرؤى والمفاهيم البشرية نتيجة عن التغيرات الموضوعية للظروف وعن التغيرات الذاتية للتصورات والانطباعات البشرية ـ نتيجة عن هذه العوامل وغيرها ينبغي للانسان الا يعتقد بأن لديه فكرة واضحة فيما ينبغي القيام به. ولهذه الاسباب ايضا ينبغي للانسان ان يبقى، بقدرالامكان، يقظا فكريا ومتسائلا، والا يخلد الى الطمأنينة الفكرية، طمأنينة الشخص المكتفي بما لديه من الفكر والمعلومات، والا يأخذ بأفكار كثيرة مسلم بصحتها لا تمكن مساءلتها. وهذه المساءلة تجري ليس فقط عن طريق النقد الفكري ولكن عن طريق التفكيك الذي يتطلب الدراسة المتروية المتفحصة الدقيقة للنصوص المكتوبة والشفوية. هذه الدراسة تتطلب تفحص كل وجوه الشيء المدروس وهي تخضع للظروف المختلفة والمتغيرة، وتفحص العلاقة بين ذواتنا العقلية والعاطفية، من ناحية، وذلك الشيء المدروس من كل وجوهه الخاضع للظروف الخارجية المتغيرة، من ناحية اخرى، وتفحص العلاقة النشيطة بين العقل والعاطفة في كل تلك الظروف المتغيرة. ومما يسهم اسهاما كبيرا في تحقيق التفكيك النص نفسه. فالنص ذاتي التفكيك، اي انه يقوم الى حد كبير بتفكيك ذاته. فادعاءات او مزاعم النص تتطلب منه ان يصف ويحلل ويفسر هذه المزاعم. وهذا التحليل والتفسير لا بد من ان يجعلانا نتناول جوانب من قبيل تاريخية الادعاء او الزعم ونسبية الصحة والتقييم وانتقائية العرض وخضوع تناول النص للضغوط المتباينة القوة والمتفاعلة التي تمارسها العوامل الاجتماعية والثقافية والتاريخية والنفسية والعقلية والعاطفية والفكرية المنتجة للنص. ـ استاذ الدراسات الشرق أوسطية ـ الولايات المتحدة