الإجازات السنوية تأتي عادة في الصيف، ليس فقط في بلادنا والبلاد التي يقترب مناخها من مناخ بلادنا، بل في معظم بلاد العالم المتقدم منها والمتخلف، مع استثناءات، قليلة تقتصر عادة على سكان أقصى شمال أوروبا الذين يتركون أعمالهم في الشتاء هربا من الجليد المتراكم في بلادهم، ويهربون إلى شواطئ جنوب المتوسط بحثا عن دفء البحر الخالي من سكانه، وربما كان وراء إجازات الجنوب الصيفية حكمة أنا شخصيا لا أعرفها سوى أنني أقبل تفسير البعض بأن ارتفاع درجة الحرارة يشجع على الكسل ويقلل من الرغبة في الإقبال على العمل، لذلك لا بد من الاستفادة من هذا الوقت قليل الإنتاج في الاسترخاء استعدادا لموسم عمل جديد. وإن كان هذا صحيحا فأنا أرى أيضا أن سكان الشمال البارد يرون أن البرودة الشديدة لها المفعول نفسه الذي ينتج عن شدة الحرارة، وأنا شخصيا مع الجنوب في إجازاته الصيفية ومع الشمال أيضا في إجازاته الشتائية، لان الصيف والشتاء بالنسبة لي لهما نفس الأثر على مدى إقبالي عن العمل، لكن الحقيقة أنني لا أستطيع التوقف عن العمل لا في الشتاء ولا في الصيف، وعندما أقرر الهروب من هذا العمل سواء في الشتاء أو في الصيف سرعان ما أجد نفسي غارقا في عمل يبدأ بهدف قضاء الوقت لكنه ينتهي إلى أن يصبح عملا يسرقني من تلك الإجازة. فإذا كانت شدة البرودة تدفعنا إلى البقاء في البيوت أو الأماكن المغلقة، وشدة الحرارة تدفعنا إلى البحث عن الأماكن المفتوحة، فإن الذين امتهنوا مهنة البحث عن لذة المتاعب التي هي مهنة الصحافة، فإنهم يحاولون في أوقات الإجازات العامة أي تلك التي يقررها عامة الناس للراحة، التخفيف من عناء ما يكتبون على القراء حتى لا يهربوا منهم، ويبدو هذا واضحا في الاختلاف بين الكتابة في فصل عن آخر، فالكتابة في أيام الإجازات تبدو أقل جهامة وأكثر لطفا وتتناول موضوعات تحاول سرقة بعض الوقت من القارئ الباحث عن الاستجمام. وحتى لا أبدو جهوما هذه الأيام، أتحدث عن السياسة بسبب وبغير سبب، بدأت في التفكير في الكتابة عن موضوع يكون بعيدا عن أحاديث السياسية التي لا تجلب هذه الأيام سوى الصداع، لذلك قررت البحث عن موضوع طريف لطيف، لكنني تحت وطأة حرارة الصيف فشلت في كتابة أي شيء، فقررت التفكير في قضاء إجازة حقيقية. سياسة البقدونس! وبما أن الإجازة تعني الامتناع عن ممارسة الحياة اليومية بشكلها التقليدي، وقررت عن عمد وسبق إصرار على تناول طعامي طوال تلك الإجازة التي لم احدد عدد أيامها في الكافتيريات والمطاعم المنتشرة في الهواء الطلق وتحت الأشجار وعلى حافة الحدائق العامة التي تمتاز بها العاصمة الإسبانية حتى أشعر أنني في إجازة حقيقية، إلا الكتابة قررت مطاردتي حتى سقطت في طبق السلاطة الصيفية الذي أعشقه ولا أتناول غيره في أيام مدريد شديدة الحرارة. في أول يوم اخترته ليكون أول أيام إجازتي المتخيلة جلست تحت شجرة ظليلة وطلبت من الجرسون أن يعد لي طبقا من تلك السلاطة اللذيذة، وإذا بي أرى في نظرة الجرسون معاني خبيئة لم افهمها في البداية، ثم بادرني بابتسامة خبيثة: هل تريدها بالبقدونس؟ وعندما أيقن أنني ربما أكون خالي الذهن وأحاول أن أعيش في إجازتي المتخيلة بعيدا عن كل المشاكل عاد إلى التأكيد على أن البقدونس هذا العام له طعم مختلف، وبدأ يعدد لي مزاياه التي قال إنه اكتشفها فجأة بعد أزمة «جزيرة البقدونس» بين المغرب وإسبانيا، وذكر أن أهم ما تم اكتشافه من مزايا هذا النبات اللطيف مؤخرا أنه يمنح السياسيين إحساسا بالزعامة، وأنهى حديثه قائلا: إذا لم تصدقني اسأل رئيس الوزراء خوسيه ماريا أزنار؟. على الرغم من النكتة السياسية اللطيفة التي حاول الجرسون الإسباني أن يخفف بها حرارة نهار مدريد، فقد أعادتني كلمة البقدونس إلى الحقيقة المرة، وهي أنني لا أستطيع تخيل نفسي في إجازة مهما بذلت من جهد، وانتبهت فجأة إلى أن تلك الكلمة كانت مركز كل الأحاديث السياسية الجادة في إسبانيا خلال الشهر الماضي، ولا تزال كذلك حتى أنها تحولت إلى نذير حرب قد تنشب في أي لحظة لو أننا أخذنا أنباء الحشود البحرية الإسبانية الأخيرة على محمل الجد، وذلك بعد الأزمة الكبرى الناشبة مع المملكة المغربية حول جزيرة «البقدونس»، خاصة بعد تورط الحكومة الإسبانية التي قررت القيام بعملية إنزال شاركت فيها قوات برية وبحرية وجوية وقوات خاصة لاحتلال جزيرة لا تصلح لأن تكون مطارا لطائرة واحدة من تلك الطائرات التي شاركت في هذا الإنزال البحري الذي هللت له الحكومة وحزبها التابع وكأنها عملية إنزال نورماندي التي حررت فرنسا في الحرب العالمية الثانية. ولأنني لم أرد على الجرسون بعد غرقي في تخيل رئيس وزراء إسبانيا خوسيه ماريا ازنار ووزير دفاعه فيدريكو تريو وهم يتحركون حول مائدة ضخمة تم صناعتها خصيصا لتكون مركز العمليات العسكرية، ومن حولهما كبار ضباط الأسلحة الرئيسية يبدون آراءهم في تلك المعركة «المجيدة» التي أفاقوا منها على التناقضات الأوروبية التي كشفت أن مسألة وجود الاتحاد الأوروبي على خريطة السياسة الدولية لا تزال في طور التوهم، وتحتاج إلى وقت، وأن قوة اليورو لا تساويها قوة سياسية في أوروبا، ولولا تدخل الأميركيين لغرق خوسيه ماريا أزنار في خجله ومات سياسيا قبل إكمال دورته الرئاسية الثانية. قال الجرسون عندنا سلاطة «أميركية لذيذة». بذكر الجرسون للسلاطة الأميركية اكتشفت أيضا أن إبعاد الأميركيين عن أي شيء في هذا العالم مستحيل، وأن وجودهم امتد حتى إلى طبق السلاطة، ذلك الطبق الذي اصبح ينافس أطباق السلاطة الإسبانية في عقر دارها. طلبت من الجرسون أن يحضر لي طبق السلاطة الإسباني بإصرار، ومؤكدا على أهمية أن يكون البقدونس من أهم مكوناته، وطلبت منه إلا يغير اسم البقدونس حتى لو احتج المغاربة على أن اسم الجزيرة هو «ليلى» وليس البقدونس، فأنا أريد أن آكل ولا أريد أن أشارك في حرب!. الأميركيون في السلطة وبما أن حرفة الصحافة من أهم أمراضها القراءة وبشكل خاصة قراءة الصحافة اليومية، فقد قررت قتل وقت انتظار السلاطة الإسبانية بالبقدونس بقراءة الصحف التي اشتريتها وأنا في طريقي إلى تناول الطعام، كانت الصفحات الأولى تنذرني بأنني لا أستطيع الهروب مجددا من الأميركيين، حتى لو رفضت تناول سلاطتهم التي لا أعرف من أي شيء تتكون. الصفحات الأولى تتحدث عن زيارة حاملة الطائرات الأميركية «فيتزجيرالد كيندي» لميناء تارجونا الإسباني، وتقول الصحف أن تلك الحاملة تعتبر من أكبر حاملات الطائرات في العالم، وتنشر لها صورا متعددة تبين جنودها السود والسمر المنتمين إلى جنسيات الدرجات الثالثة والرابعة في السلم الاجتماعي الأميركي، وهم يلوحون بأيديهم وكأنهم يزفون عروسا رغم أنهم يعرفون أنهم يقفون على ماكينة عملاقة مهمتها الوحيدة في العالم الدمار والقتل دون رحمة، ولم تذكر تلك الصحف بالطبع أن هذه الحاملة القاتلة تستعد لقتل ما تبقى من أطفال العراق حتى يستطيع الرئيس بوش الابن أن يدشن بدمائهم دعاية حزبه الانتخابية في الخريف المقبل، بعد أن أكدت استطلاعات الرأي تراجع شعبيته وشعبية حزبه بعد اكتشاف فساده وفساد نائبه ديك تشيني. كان واضحا أن بعض تلك الصحف تتبع خطا موازيا لخط الحكومة الإسبانية تجاه الأميركيين، فيما ذكرت بعض الصحف الجادة الزيارة فقط دون تفاصيل كثيرة، ونشرت صورا لحاملة الطائرات، فإن صحفا معروفة بميولها اليمينية بشكل عام والحكومية بشكل خاص أسهبت في ذكر كل ما هو «جميل» في تلك الحاملة، واستفاضت في ذكر «المكاسب» التي تجنيها إسبانيا من تلك الزيارة، بداية من الأموال التي سيتركها جنود الحاملة في حانات ومراقص المدينة وحتى الرواج السياحي الناتج عن تلك الزيارة، دون أن تذكر بالطبع أن تلك الحاملة تلقى ترحيبا خاصا يؤكد على امتنان رئيس الوزراء الإسباني لوزير الخارجية الأميركي على إنقاذ ماء وجهه بتدخله في أزمة الجزيرة البقدونس/ليلى التي تحولت إلى «نكتة» صنعت للبقدونس شهرة لم تكن معروفة من قبل. من الواضح أن وسائل الإعلام التابعة أو الموالية للحكومة كانت تريد أن تؤكد على شكرها لما قام به وزير الخارجية الأميركي كولن باول لإخراج خوسيه ماريا ازنار من أزمة افتعلها ثم فشل في الاستمرار فيها، وجاءت نتائجها بعكس ما كان متوقعا وأصبحت تهدد شعبيته التي أصيبت بالفعل بتراجع كبير خلال الأشهر الستة الاخيرة، وتجنبت تلك الصحف ذكر أي شيء عن تورط الولايات المتحدة في تلك الأزمة، وهو تورط أشار إليه العديد من المحللين وكتاب صفحات الرأي، وقدموا أدلة عليه من خلال مواقف واشنطن الداعمة للملك محمد السادس في العديد من القضايا، وبشكل خاص قضية الصحراء، في الوقت التي يجد فيه خوسيه ماريا أزنار نفسه منعزلا في مواقفه تجاه المغرب، لأنها مواقف لا تنبع من إحساس بالمصالح العامة لبلاده بقدر ما هي ناتجة عن رواسب أيديولوجية لم تفلح في إزالتها الممارسة الديمقراطية طوال ربع قرن في إسبانيا. حاملة الطائرات الأميركية العملاقة التي تحتل صفحات وصفحات في الصحف ودقائق مطولة في القنوات التلفزيونية والبث الإذاعي ليست النبأ الوحيد الذي يجده المتابع لوسائل الإعلام الإسبانية التي اعتنقت فجأة العشق الأميركي، بل هناك أنباء أخرى كثيرة تحاول أن تبرز الدور الأميركي في العالم، تشمل السياسة الدولية والمحلية وأقسام الاقتصاد بل وتصل إلى الرياضة، فلا توجد صحيفة واحدة لم تذكر أن الرئيس الكولومبي الجديد سيؤدي اليمين الدستورية لتولي السلطات في بلاده تحت حراسة الطائرات الأميركية، ولم يغب بالطبع نبأ المعونة الأميركية العاجلة لإنقاذ الاقتصاد في الأوروجواي، أو تصريحات وزير الخزانة بمساعدات أخرى عاجلة للبرازيل حتى لا تسقط في فخ النتائج السلبية لأزمة الأرجنتين. بسبب أزمة «البقدونس» المصطنعة التي حركتها واشنطن وكان مفتاح حلها «المؤقت» في يدها، أصبح الأميركيون فجأة أحد العناصر الرئيسة للحياة في إسبانيا ودخلوا حتى في طبق السلاطة. ـ كاتب مصري مقيم في أسبانيا tshahin@maktoob.com