اعترف بأني لا استحسن معظم تلك الخطوط الآلية التي اشاعها الكمبيوتر في حياتنا: في عناوين الصحف والكتب ولافتات الطرق وارشادات السير في المؤسسات والمجمعات ونحوها. والواقع اني ارى تلك الخطوط كالعمارات الحديثة التي تنتصب كعلب وكتل اسمنتية خالية من الروح والنفس، وهذا خلاف الخطوط اليدوية التي تتجلى فيها بصمات انامل الفنان الخطاط، وتشع منها روحه وعاطفته وخياله وابداعه. مع ذلك، فاني اقدر اجتهادات مبدعي الكمبيوتر في تحسين خطوطه، وتنويع اشكال حروفه، والاقتراب بها الى انواع الخطوط التي ابدعتها عبقرية الفنان العربي والاسلامي على مر القرون، وبث في كل منها روحا خاصة نابضة وموحية بمعان ومشاعر خاصة. والحق انهم حققوا نجاحا كبيرا في التقليد ورسم الحروف، لكن دون الروح والنبض الانساني المشع حرارة وحياة وعاطفة، والذي نحسه بتنويعات مختلفة في انواع الخطوط المختلفة. خط النسخ مثلا ـ وهو من أقدم الخطوط العربية واكثرها انتشارا في المطبوعات ـ يتميز بصغر الحروف وتناسقها ووضوحها التام وجمالها،الامر الذي يجعله موحيا بالصحة والرسمية. اما خط الرقعة (بضم الراء) ـ اي الخط الذي كان يكتب في الرقاع (جمع رقعة) أي الاوراق وما شابهها ـ فهو خط يمتاز بالسهولة والبساطة والوضوح، ولا يحتمل الزخرفة أو التزيين، الامر الذي يجعله مسعفا في الكتابة اليدوية، لأنه يكتب بسرعة اكثر من غيره. وأما الخط الكوفي ـ وهو من اقدم الخطوط العربية، وقد نشأ وتطور في مدينة الكوفة ـ فهو يتميز بأشكاله الهندسية حيث تعامد حروفه وتقابلها واستقامة اطرافها وحدة زواياها، وهو ما يجعله موحيا بالاستقرار والثبات والسكون، ولهذا يستخدم في تزيين وزخرفة الابنية المراد اضفاء الجلال عليها، كمحاريب المساجد وجدرانها وسقوفها. وهناك خط الثلث، اصل الخطوط العربية كلها، ويتميز بقابليته للتكوين داخل اشكال هندسية، كالدائرة والمثلث والمربع والمستطيل والمعين، وهو ما يجعله موحيا بالثراء والتكامل. ثم هناك الخط الفارسي أو خط التعليق، وهو من أوضح الخطوط، ويمتاز بالليونة والانسياب والميل في رشاقة وانبساط حروفه الممتدة كالسين والباء والتاء والياء، وقد سمي بالفارسي لان الفرس كتبوا به لغتهم ولايزالون. لكن الخط الحافل بالزخرفة هو الخط الديواني، وهو من أشهر الخطوط في عصر الدولة العثمانية، وسمي كذلك لانه كان يستعمل في دواوين الخلافة. هذه الانواع المختلفة من الخط العربي، بخصائصها واسرار الجمال والتناسق الكامنة فيها ألهبت خيال الفنان العربي والاسلامي، وفجرت طاقات الابداع فيه، فكان ان طور فنا فريدا يعد من درر ابداعات الحضارة العربية الاسلامية، وساعد على ذلك عزوف الفنان المسلم عن تصوير الوجوه والكائنات الحية، واجلاله لحروف اللغة العربية، لغة القرآن الكريم، فكان اتقان كتابتها والافتنان فيها اقرب الى التعبد. والحق ان العصر العثماني كان العصر الذهبي الذي بلغ فيه فن الخط قمما سامقة شامخة في التمكن والاتقان الى حد الكمال والاعجاز الفني، وهو ما تتجلى اثاره في مساجد مدينتي بورصة واسطنبول، التي تعد متاحف غنية مفتوحة لفنون الخط العربي، ولقد اشتهرت من بعد اسماء مبدعين عباقرة يحتاج ذكرهم الى حديث خاص، لكن ما يشغل الخاطر الآن، هو جدارة هذا الفن الجميل باحياء مجده في بيوتنا وكل مجالات حياتنا، خاصة بعد ان طور الفنانون التشكيليون المبدعون ألوانا حديثة متنوعة منه في عصرنا. ما أجمل ان تزدان جدران بيوتنا وشوارعنا ولافتاتنا بلوحات هذا الفن البديع، وما اجمل ان تعود مدارسنا الى العناية بدروس تحسين الخط والاستعانة بالكراسات المتضمنة آيات بديعة من فنونه، وما انبل ان تفتتح المعاهد والمدارس الخاصة بتعليمه وان تنظم المسابقات والمعارض لتشجيعه كما يفعل ـ محمودا ـ «مركز الابحاث للتاريخ والفنون والثقافة الاسلامية باسطنبول» التابع لمنظمة المؤتمر الاسلامي، الذي يديره بوعي واقتدار واخلاص العالم الصديق الدكتور اكمل الدين احسان اوغلي، حيث ينظم مسابقات عالمية، ويقيم معارض كبرى، كان احدثها مسابقة باسم الخطاط المصري العبقري سيد ابراهيم، اعقبها معرض لأعماله في باريس، في يناير الماضي. امنيات تملأ الخاطر والوجدان، لا اجد لختامها اجمل من ابيات لشاعر القطرين خليل مطران في تحية نابغة فن الخط نجيب هواويني، يقول فيها: يا متقن الخط ويا ملبسا منه بديعات المعاني حلى الخط للعلم اناء صفا به لآيات النهى مجتلى