فجّر اللوبي الصهيوني في فرنسا أحدث ضجة اعلامية وقضائية لملاحقة الصحفيين والكتاب العرب داخل أوطانهم، بالتهمة المختلقة والزائفة المسماة «معاداة السامية» رغم اننا كعرب أصل وفرع الساميين تاريخياً، لكن قدرة الصهاينة على اختراع المعارك الوهمية لحصد المكاسب وارهاب الآخر لا تبارى، ويجب الاعتراف لهم بالدأب والعمل طويل المدى وفق خطط مدروسة، وليس على طريقتنا نحن المحصورة في رد الفعل والفورات الموسمية التي سرعان ما تخمد، ولا تخلف في النفوس سوى اجترار الألم والبكاء على الأطلال. والضجة التي فجرها اللوبي الصهيوني مؤخراً حول نشر مقال في صحيفة «الأهرام» المصرية يعرض واقعة تاريخية موثقة بقلم مستشرق فرنسي لحادثة اختطاف حاخامات اليهود في دمشق للأب توما المسيحي وقتله وتصفية دمه لاعداد فطيرة يهودية تطبيقا لاحدى الاساطير اليهودية التي ادخلت زيفا وتحريفا على الديانة اليهودية كما جسدها نبي الله وكليمه موسى عليه السلام. ويبدو ان اللوبي الصهيوني تشجع لاصطناع الضجة، وجعلها مناسبة للقفز الى مرحلة جديدة من مخططه لتدجين العقل العربي واعلامه، وارهاب كتابه وصحفييه، وجعلهم يتحرزون من الاقتراب من خط المواجهة ويكتفون بالسير الآمن بجوار الحائط. فلقد سبقت ضجة الفطيرة مع ابراهيم نافع رئيس تحرير «الاهرام» ضجة مماثلة انطلقت من واشنطن عبر الكتاب المعروفين بانحيازهم المطلق لاسرائيل، ونجحوا في اقصاء كاتبة صحفية سعودية نشرت مقالا قبل مقال «الاهرام» عن الفطيرة الصهيونية، وانتزعوا تصريحا من اعلامي عربي بأن المقال غير تاريخي وترديد لشائعات! والمؤكد، ان الضجة المثارة حاليا والتي بدأت باستدعاء قاضي التحقيق الفرنسي لابراهيم نافع، ليس مقصودا بها واقعة الفطيرة في حد ذاتها، بل المقصود تأسيس سابقة تشرّع تجريم مناقشة اي كاتب عربي لاساطير الصهيونية، وترسي قاعدة تمنع الاقتراب من فضح ملفات الارهاب الصهيوني، والعنصرية، واضفاء طابع «غير القابلين للمس» على جميع مجرمي الحرب الاسرائيليين، والا سيكون مصير من يتجرأ الملاحقة بتهمة «معاداة السامية». والخطير والجديد في ضجة الفطيرة مع ابراهيم نافع هو الملاحقة القضائية من خارج الحدود العربية، في قضية رأي وفكر، في وقت يقف جورج بوش ضد ملاحقة المحكمة الجنائية الدولية لمجرمي حرب حقيقيين! على هذا، يخطيء من يدير المعركة في قضية ضجة الفطيرة بمنطق «الشخصنة» وحصرها في شخص، واقتصارها على حارة اليهود التي لا مخرج منها، وبطريقة بيانات التضامن التي لا يقرأها احد في الغرب، ولا يتردد لها صدى الا بين من اصدروها. المطلوب، لو كان لدينا بقية من جدية لمواجهة الحملة العاتية المقبلة، والتي بدأت بأجندة لا نهاية لها، انطلقت قبل احداث 11 سبتمبر في نيويورك، ولن تقف الا في اعماق وطننا، المطلوب ادارة المعركة بوعي وتحويل ضجة الفطيرة الى محاكمة تاريخية اعلامية في قلب باريس للارهاب الصهيوني، ولاسرائيل ككيان عنصري، يمثل آخر جيوب العنصرية الاستيطانية في تاريخ البشرية. ويجب ان نعتبر ان ضجة الفطيرة فرصة هبطت علينا من السماء، لاختبار قدرة مؤسسات العمل العربي والاعلام العربي على مخاطبة اوروبا . ومن جملة ما يمكن عمله، الدعوة لمؤتمر عالمي في باريس بالتنسيق بين اتحادات الكتاب والصحفيين العرب والجامعة العربية، ودعوة عدد من كبار مفكري ومؤرخي الغرب الذين لاحقهم اللوبي الصهيوني، وفي مقدمتهم روجيه جارودي، وتكون المهمة الاولى والاخيرة افناء خدعة «معاداة السامية» التي تستخدم كفزاعة للابتزاز لصالح اسرائيل، وفضح جرائم الارهاب الصهيوني، ولو لم نفعل ذلك، فسيكون اللوبي الصهيوني قد انتصر في معركة محسومة مسبقا لنا.