بالتأكيد تكون سعيدا عندما تتلقى إتصالا تليفونيا من ناقد شاب حتى ولو لم تكن تعرف اسمه، وهو يقول لك انه كتب نقدا لمسرحيتك التي صدرت في كتاب. وكان قد سأل من قبل : هل تقرأ جريدة كذا ؟ فتتردد مرتبكا فأنت لا تتابع الجريدة، وتقرأها بالمصادفة وهذا شيء طبيعي فبعد قراءة نحو عشر صحف كل صباح لا أظنك تستطيع أن تبحث عن جريدة أخرى. لم يتوقف الناقد الشاب عند سؤاله، وأخبرني أنه سيرسل الجريدة لي، حتى أطلع على ما كتبه، راجيا أن أخبره برأيي فيه. ووصلتني الجريدة بعد أيام. وألقيت نظرة عابرة على شكل المقال، فلقد كان هناك ما يشغلني حتى عن متعة قراءة ثناء علي! ولكني أخيرا وضعت الصحيفة أمامي، وفي يدي فنجان القهوة، وبدأت أقرأ.. وقفزت من مكاني حتى كاد فنجان القهوة يسقط. وكان ما قرأته مرعبا إلى حد الموت ! فلقد كان المقال النقدي منقولا نقل « مسطرة » من المقدمة التي كتبها الدكتور محمد حسن عبد الله، والذي لا يعرف ما حدث حتى الآن. لم يضف الناقد الشاب سطرا، ولم يحذف سطرا، ولم يصحح خطأ مطبعيا، ولا أضاف خطأ مطبعيا! وكانت أغرب وأفظع سرقة أدبية عرفتها في حياتي. وكان الناقد الشاب أكثر السارقين صفاقة بطلب رأيي فيما كتب، إذ لا يمكن أن يخطر على باله أنني لم أقرأ مقدمة كتابه! وقضية السرقات الأدبية تملأ عشرات بل مئات الكتب منذ أن كتب ناقد عباسي عن سرقات المتنبي إلى يومنا هذا، ولقد حفل عصرنا بالحديث عن السرقات لأسباب كثيرة من بينها سهولة التقاضي في هذا الامر، فأنت تستطيع أن تذهب إلى أي محكمة وتدعى أنك كاتب الدستور الأميركي أو رواية غادة الكاميليا أو ثلاثية بين القصرين، ولن يمنعك أحد مطالبة « حقك » المهم أن تثبت أن دعواك حقيقية. وألطف الإدعاءات في هذا المجال أن كاتبا شابا قرأ نقدا لإحدى المسرحيات، فتوهم أن المسرحية مسروقة من مسرحية له لتشابه الاحداث ورفع قضية وفوجئ الكاتب الشاب بأن محامي الكاتب المعروف يعترف بالتشابه الشديد بين المسرحيتين، ثم يقدم طبعتي المسرحيتين وإذ بمسرحية الكاتب الشاب صدرت بعد الأولى بأربعة عشر عاما واتهمه المحامي بأنه سرق المسرحية. وأخذ الكاتب الشاب ينفي التشابه بين المسرحيتين اختلطت السرقات الحقيقية بإدعاء السرقة. وفي إحدى المرات تقدم لي كاتب بأوراق تثبت أن فلانا وهو كاتب معروف في الوسط الأدبي لنشاطه النقابي، سرق عمله ونسبه لنفسه، وتقاضى أجرا مقابله. واعتذرت لصاحبنا بأنني لست جهة تقاض، وأنني لا أستطيع الحكم في هذه القضية، ونصحته أن يلجأ إلى اتحاد الكتاب وأبدى صاحبنا مخاوفه فالمدعى عليه عضو مجلس إدارة في الاتحاد. لكنني شجعته، وأنا أعرف أن هناك سوابق جامل فيها مجلس الإدارة أعضاءه. وأحال مجلس الإدارة قضية صاحبنا إلى لجنة الشئون القانونية وقدم مقررها تقريرا يؤكد أن ما قام به زميله عضو مجلس الإدارة سرقة علنية موثقة بالأوراق الرسمية. ويبدو أن المتهم بالسرقة لم يكن يتوقع هذا من زميله في المجلس ولو من باب المجاملات بين الزملاء وكان رد فعله عنيفا إذا قام بالاعتداء على مقرر الشئون القانونية وكلمة « الاعتداء» كلمة غامضة حكى كل واحد ما يفسرها. قال البعض ان مقرر الشئون القانونية كان من الذكاء بحيث ترك الآخر يسقط في الخطأ. وقال البعض أنه ما كاد يتلقى أول ضربة حتى كال لزميله الضربات الموجعة وسط صراخ السادة الأعضاء. المهم أن مقرر الشئون القانونية خرج إلى الشرطة يتهم زميله بالاعتداء عليه أثناء اجتماع مجلس إدارة اتحاد الكتاب وتدخل أولاد الحلال لإنهاء الموقف الذي لا يليق بمن هم مثلهم. ولكن مقرر الشئون القانونية قال انه لو إستطاع أن يتنازل عن حقه الشخصي، فهو لا يستطيع أن يتغاضى عن حق الكاتب. والضجة التي أثارتها الحادثة جعلتني أفكر في قصص السرقات الأدبية وبينها قصة لا أنساها، ولا أنسى ما فيها من نبل. وكنا في أوائل السبعينيات وقد صدمنا بوفاة الكاتب المسرحي ميخائيل رومان وكان يكتب أحيانا للتلفزيون. وكما عرفنا فيما بعد ذهب كرم مطاوع إلى بيته ليرى هل أنهى عملا قبل وفاته، وكان ميخائيل وكرم صديقين ووجد كرم سهرة تلفزيونية انتهى ميخائيل من كتابتها، وان لم يضع لها الصفحة الأولى، حيث اسم العمل ومؤلفه وربما مخرجه ومعظم الكتاب ان لم يكن كلهم يعتبرون هذه الصفحة الأولى هي آخر صفحة يكتبونها. لذلك لم يكن مدهشا لكرم مطاوع أن يجد العمل دون الصفحة الأولى. وبسرعة تم الاعداد للسهرة الجميلة. وعرضت على الشاشة، وكنا جميعا ننتظرها لقيمة ميخائيل رومان، ولممثليها وكان بينهم كرم مطاوع. ومنذ أول لحظة قفزت أمام التلفزيون صارخا أن هذه قصة عبد الرحمن فهمي وعبد الرحمن فهمي هو واحد من أهم وأبرز كتاب القصة القصيرة في الخمسينيات والستينيات وكتب للسينما وللتلفزيون وكان من أقرب الكتاب إلى جيلي، ولقد كتبت عنه أشيد به منذ ثلاثين عاما ولم يكن يصيب عبد الرحمن فهمي إلا اليأس. كان يسخر من اعجابنا بما يكتب، ويرى أن كل ما نفعله عبثا لا طائل من ورائه. وكنا نخشى أن نواجهه بالثناء، لأنه كان يقابل هذا بكلمات قاسية. وربما كان اليأس هو ما دفعه للابتعاد تماما عن الوسط الثقافي لا يطل عليه إلا نادرا. ومن المهم أن انبه إلى أنه هناك أكثر من كاتب يحمل هذا الاسم، فلقد كان عبد الرحمن فهمي من أهم قادة ثورة 1919 ولذلك سمى الكثيرون أبناءهم على اسمه. وكان عبد الرحمن فهمي هو المنظم لجهاز الثورة في الوقت الذي كان سعد زغلول هو زعيمها. وفتح الله بركات هو مديرها. وكان عبد الرحمن فهمي هو قائد الجهاز العسكري السري الذي كشف فيما بعد وحوكم الرجل وحكم عليه بالاعدام، لكن خفف الحكم ولعبقريته في تنظيم الثورة أصبح موضع اعجاب الناس. وعندما شاهدت التمثيلية سارعت إلى عبد الرحمن فهمي حيث كان يلعب الطاولة في أحد مقاهي القاهرة، ومازالت لعبته المفضلة وافضيت له بفزعي من أن قصته منسوبة إلى ميخائيل رومان وقال ساخرا وهو يلعب : وما فيها ؟! وعرفت ما حدث. كانت القصة جميلة. وكنا جميعا معجبين بها ولا أذكر الآن القصة وما فيها ربما كانت تتحدث عن شخص يتعرض لضغوط، هذا الشخص اسمه محمد دربالة، وهو الشيء الوحيد المؤكد الذي احتفظت به الذاكرة، ويبدأ محمد دربالة يتخلى عن مبادئه. ويتحول إلى شخص آخر ويذهب إلى طبيب نفسي يشكو له همومه، ويحكي له ما حدث، ويطلب علاجه، وأثناء خروجه من عيادة الطبيب النفسي نقرأ اسم الطبيب فإذ به الدكتور محمد دربالة ! وكنت راغبا في تحويل القصة إلى تمثيلية، فلما طلبت موافقة عبد الرحمن فهمي اعتذر بأنه أعطى موافقته لشخص آخر. فلما سألته من هو قال لي انه لا يذكر. وظننت أنه تهرب يتسق مع شخصيته فالموافقة تتطلب ورقة وقلما، وهو لا يريد أن يبذل جهدا فيما يعتقد أنه لا يفيد ! قال لي عبد الرحمن فهمي ان كرم مطاوع عندما أخذ السهرة من بيت ميخائيل لم يخطر على باله أنها قصة كاتب آخر، خاصة أن ميخائيل لم يسبق - على ما نذكر - أنه أعد قصص كاتب آخر. أصلا لم تكن الفكرة تخطر على بال أحد. وقال لي : وماذا الآن ؟ هل تعتقد أنني سأقول ان هذه قصتي وليست قصة صديقي ميخائيل رومان، وهو في مكان لا يستطيع أن يرد علي فيه، أو يوضح الحقيقة؟! حيا الله عبد الرحمن فهمي الذي كتب أجمل الاعمال، وخلف لنا عبقريا هو الموسيقار ياسر عبد الرحمن.