من زوايا الأرض الأربع تنطلق الآراء والتحليلات بشأن الحالة العراقية، فيتحول البعض الى جنرالات يخططون وينفذون (الضربات العسكرية) ، ويصبح البعض الآخر استراتيجيين يربطون بين تلك الحالة وثقب الأوزون وحوادث المرور في نيويورك، بينما يكتفي البعض الثالث باستحلاب ضرع الاحلام واستلهام اساطير الأولين واستمطار اللعنة من السماء. أما رأس الأمر وذروة سنامه وذنبه فهو موقف الولايات المتحدة الأميركية، وهذا الموقف لا يحتاج الى جهد كبير في التعرف عليه، وان كان يحتاج الى عبقرية اينشتاين لتفهمه، وهو يتخلص فيما يلي: 1ـ في ظل الاحادية القطبية ليس مسموحا بالتوجه الى قبلة اخرى. 2ـ ان أميركا عندما تتورط فلابد لها أن تنتصر. 3ـ ان العراق تمهيد ضروري لتقليم اظافر ايران. 4ـ ان الالتئام العربي ـ وخاصة في منطقة الخليج الحبلى ببترول العالم ـ قد يهدد مستقبلا المصالح الأميركية. 5ـ ومن الزاوية القانونية ترى أميركا انها ليست في حاجة لاستصدار قرار جديد من مجلس الأمن لمواصلة الضربات العسكرية، ومن الزاوية الانسانية فلا مانع من دغدغة الضمير العالمي بالسماح بمضاعفة برنامج الغذاء مقابل البترول. ذرائع ومعوقات لن أضيف كثيرا فيما يتعلق بالمصالح الجلوبالية (من Global) الأميركية فهذا هو حجمها وهذا هو شأنها، ولكن الاستفسار الجدي هو مدى تحقق تلك المصالح في ضوء مايلي: 1ـ أن تفاقم أوضاع العراق سيفتح (صندوق البندورة) ويغير معادلة التوازن في منطقة الخليج، ومن المشكوك فيه ان أوضاع التوازن الجديد ستصب في خانة المصالح الأميركية. 2ـ إن أوضاع المنطقة اليوم تختلف كثيرا عن أوضاعها في بداية التسعينيات وهو أمر يبدو جليا من استقراء مواقف الأطراف المختلفة. 3ـ ان المراهنة على حالة التناقضات العربية/ العربية تسقط من حساباتها احتمالات قوية لتطور موقف الرأى العام العربي بما لا يهدد فقط المصالح الأميركية بل ومصالح أصدقائها في الشرق الأوسط. 4ـ ويدخل فيما تقدم مساحة الظلال والشكوك التي تحيط بالمصداقية الأميركية نتيجة للموقف السلبي ازاء ممارسات الحكومة الاسرائيلية وتكرار تحللها من التزاماتها التعاقدية حتى تلك التي تمت بتوجيه واشراف أميركي. 5ـ ان التعاطف الدولي والمحلي مع معاناة العراق يعيد للاذهان اجواء الحملة الثلاثية على مصر عام 1956، بما قد يؤدي في النهاية الى انتصار عسكري وهزيمة سياسية ودبلوماسية تضرب النفوذ الأميركي في المنطقة لسنوات مقبلة. 6ـ ومن نافلة القول الاشارة الى الاثر السلبي على مسيرة السلام من زاوية ان المحصلة النهائية ستكون التصلب والتشدد من كافة الأطراف. فإذا أهملنا كل ماتقدم، واذا افترضنا ان دولة عظمى كالولايات المتحدة الأميركية لا تكترث بمصالحها الحيوية في سبيل ارساء مفهوم الشرعية الدولية، إذا تخيلنا امكانية وجود هذا الموقف المثالي المتجرد، وهو الذي تعلنه بالفعل المصادر الرسمية الأميركية، فما هي علاقة مايدور الآن بالشرعية الدولية؟ وحتى لا نصدر عن فراغ، ولكي لا ندخل ايضا في متاهات التفصيلات فسوف نركز فقط على الذرائع القانونية المتبادلة خلال الأزمة الحالية، فالموقف الرسمي الأميركي يذهب الى شرعية توجيه ضربات عسكرية دون حاجة لقرار جديد من مجلس الأمن، استنادا الى أن قرارات المجلس السابقة تعطي لأميركا هذا الحق، وهذه مسألة فيها نظر من عدة وجوده نذكر منها مايلي: 1ـ إن اعضاء دائمين آخرين في مجلس الأمن لديهم تفسير يختلف تماما مع التفسير الأميركي في هذه المسألة، ويرون ببساطة عدم شرعية اللجوء للقوة الا بقرار من مجلس الأمن. 2ـ إن القرارات السابقة المشار اليها تتعلق بغزو العراق للكويت، وهي الحالة التي استدعت اللجوء للفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وبانتفاء هذه الحالة ـ تحرير الكويت ـ ينتفي الحكم المتعلق بها. 3ـ إن مهمة التفتيش تعتبر من الزاوية الموضوعية اجراءا فنيا اتفاقيا (والعراق طرف في هذا الاتفاق) وتخضع بطبيعتها لاعادة التقييم والمراجعة، كما ان الاختلاف حولها لا يعتبر تهديدا جديا للسلم والأمن الدوليين. فإذا تأملنا النظر الى مجموعة القرارات الصادرة من مجلس الأمن ضد العراق نجد ان بعضها يتعلق بمهمة المجلس في حفظ السلام والأمن الدوليين، وبعضها يتعلق بالتفويض في استخدام القوة، وبعضها يتعلق بترتيبات وقف اطلاق النار، ويهمنا الآن ان نشير الى القرار رقم 678 الصادر في 21 نوفمبر 1990 باعتباره التفويض باستخدام القوة، حيث ينص هذا القرار على انه «للدول المتعاونة مع الكويت (المحتلة) ان تستخدم كافة الوسائل اللازمة لفرض تنفيذ القرار 660 وجميع القرارات اللاحقة تنفيذا كاملا.. مالم ينفذ العراق في 15 يناير أو قبل هذا التاريخ القرارات سالفة الذكر». وكما نلاحظ فن القرار المذكور عبارة عن تفويض عام لا تحدده سوى الشروط التالية: 1ـ ان تكون أي دولة متعاونة مع الكويت (أي أن الكويت تمتلك نظريا فيتو على تدخل أي دولة). 2ـ ان لا ينفذ العراق حتى 15 يناير للقرارات سالفة الذكر. ومن المتصور ان هذا التفويض قد انتهى طبقا لروحه ونصه بتحرير الكويت، وبوقف اطلاق النار حيث صدر قرار اخر (687) في ابريل 1991 يتعلق بشروط وقف اطلاق النار الدائم، ويتضمن نزع اسلحة الدمار الشامل العراقية. وقد ربط هذا القرار مابين تنفيذ العراق للشروط الواردة فيه وبين رفع العقوبات المفروضة عليه، وهو مايعني ان مجلس الأمن هو الجهة التي ستقرر مدى التزام العراق وبالتالي رفع العقوبات من عدمه، وتستطيع الولايات المتحدة الأميركية بحق الفيتو ـ بناء على ماتقدم ـ ان تحول دون صدور مثل هذا القرار الى أي وقت تشاء، وبالتالي يستمر نظام العقوبات بغير مدى زمني، ولكن ذلك لا يخولها حق استخدام القوة، لأن النزاع الحالي كما أوضحنا متعلق بتفسير لشروط وترتيبات وقف اطلاق النار ومنها نزع أسلحة الدمار الشامل، وهي مسألة قانونية يختص بها مصدر القرار (مجلس الأمن) أو يمكن احالتها الى محكمة العدل الدولية أو اللجوء الى أية وسيلة نص عليها الميثاق لتسوية المنازعات بالطرق السلمية. فهل يمكن ان تتحلى الضربات العسكرية مع ذلك بأية شرعية دولية؟، أم أن التكييف الممكن لها هو انها في ذاتها عمل عدواني يتطلب تدخل مجلس الأمن؟ إن الفقه الدولي قد استغرق سنوات طويلة لتعريف العدوان حتى توصلت الجمعية العامة للأمم المتحدة في عام 1974 الى قرار بتعريف العدوان جاء فيه: إن العدوان هو استخدام القوة المسلحة من قبل دولة ضد السيادة ووحدة الاقليم أو الاستقلال السياسي لدولة اخرى أو بأي شكل اخر يكون منافيا لميثاق الأمم المتحدة. كما جاء بالقرار انه لا يجوز اتخاذ أي اعتبار أياً كانت طبيعته سياسية أو اقتصادية أو عسكرية أو خلافه مبررا للقيام بعدوان. وهكذا وفي اطار الشرعية الدولية، وبالنظر الى ميثاق الأمم المتحدة في الفقرة الثالثة من المادة 27 التي تستثني من الاشتراك في التصويت ـ سواء عضو دائم أو غير دائم ـ في قرارات مجلس الأمن من كان طرفا في النزاع المعروض على المجلس، وذلك فيما يتعلق بالقرارات المعلن تطبيقها (الفصل السادس والفقرة الثالة من المادة الرابعة) فأن العراق يستطيع نظريا التقدم بشكوى لمجلس الأمن بشأن الضربات العسكرية باعتبارها عملا يهدد السلم والأمن الدولي، وفي تلك الحالة لن تستطيع أميركا أو بريطانيا الاشتراك في التصويت على القرارات التي قد يتخذها المجلس في هذا الشأن والتي يمكن ـ نظريا ـ ان تشمل توقيع عقوبات اقتصادية على الدولتين..؟؟!! ـ كاتب مصري