بداية لا بد من الإيضاح، أنه رغم غياب حلم «الترانسفير» منذ انطلاقة عملية التسوية في مدريد، ظاهريا، بقيت حلماً أو هاجساً يتوق إليه الكثير من القوى السياسية والحزبية الإسرائيلية، باعتبارها الحل الأمثل بالنسبة للإسرائيليين، إن كان هذا الأمر تلبية لقيم أيديولوجية مستندة إلى ركائز عنصرية أو أهداف سياسية تسعى إلى ما يسمى بنقاء الدولة كمقدمة لبناء دولة اليهود وحسب، ومن ثم اقامة مملكة يهودية في الأرض تناظر مملكة السماء. لكن بعيداً عن أصل فكرة الترانسفير والمعاني اللغوية التي دأب البعض على تناولها، بهدف تغييب الأهداف والمعاني والدلالات الحقيقية القائمة على الأرض، يجب تبيان حقيقة أن الترانسفير بالنسبة للصهاينة وإن لم تتغير أهدافه فقد تغيرت مفاهيمه وآليات تطبيقه، بعد أن أخفقت المؤسسة العسكرية والأمنية الإسرائيلية في تغييب السكان الأصليين لفلسطين، إن كان في عام 1948 أوفي عام 1967، بحيث بدأت العقلية الإسرائيلية تتفتق في إنتاج أشكال ومفاهيم جديدة من الترانسفير - الترحيل - وبدأت تطل علينا بالكثير من المصطلحات، منها الترانسفير الإجباري مروراً بالترانسفير الطوعي وترانسفير الإكراه وما إلى غير ذلك من هذه التسميات المرسمة بعناوين وخطط عنصرية تصب جميعها في اقتلاع أصحاب الحق من أرضهم، كمقدمة لتهويدها. بل أكثر من ذلك، بدأ الكثير من العقول العنصرية في إسرائيل تطلق العنان لخيالاتها بهدف رسم سيناريوهات ترحيلية، فمنهم من رأى بعد مذبحة مخيم جنين بأن الترانسفير من النوع الجديد بات متوفراً. حيث أن الجنود اليهود لن يدخلوا البيوت ولن يحملوا الرضع الباكين على أكتاف عائلاتهم، وأن جل القضية تتلخص في كشط البيوت بواسطة الجرافات وبدعس السيارات بواسطة الدبابات، كيلا يرغب لاجئو جنين بالعودة إلى مكان سكناهم، ولو أرادوا، لا يكون لهم مكان يعودون إليه، سوى أكوام الدمار. ولعل هذا الترانسفير يندرج في الجولات الدامية الحالية، أي من وجهة نظر بعض صناع السياسة العنصرية في إسرائيل، لا داعي بعد الآن لقتال نظامي بين ما يسمى بالحكم - الاحتلال- وقواعد الفدائيين - المخيمات - هذه الضربات تطال ممر المدرسة، وعض من يقع بين فكي جيش الاحتلال وغرز الأصابع في العيون. بمعنى أدق أن الترانسفير الجديد ليس له أهداف تكتيكية، وإنما هدف استراتيجي واحد، هو جعل العرب يكرهون الحياة، شريطة أن يتم هذا الأمر دون التطرق حتى لمقولة أو مصطلح الترانسفير أو ما شابه ذلك، أي إظهار القضية - الترانسفير - برمتها للعالم بأنها غير موجودة بشكل رسمي ولا قرار حكومي حول تطبيقها.كما أنه يتجنب القيام بذلك على أساس من أوامر مسبقة من خلال عملية عسكرية رسمية مكشوفة لعدسات المصورين والرأي العام. ولعل هذا التصور دفع عضو الكنيست بني آلون، الذي انتخب رئيساً لحركة موليدت المتطرفة بعد مقتل رحبعام زئيفي، إلى استخدام ما يسمى بالصيغ المقبولة في وصفه لطرد الفلسطينيين بالقول:« يمكن أن يحكموا على أنفسهم بالترانسفير في أعقاب الحرب التي باشروا بها.. ومن أجل التدقيق في المصطلح لا بد من إلحاق غزة كبيرة بهذا الترانسفير باعتباره لا يلوث أيدينا، وإنما أشبه بترانسفير طوعي» .وقد وافقه هذه الرؤية آفي إيتام زعيم الحزب القومي الديني المتطرف « المفدال»، حيث أطلق على هذه الطريقة الجلاء الاختياري. الأهم من ذلك، أن البعض وجد ضالته في السيناريوهات المطروحة لتبادل المناطق، الذي سيحافظ على أغلبية يهودية راسخة في إسرائيل على الأقل حتى منتصف القرن الحادي والعشرين، خاصة في المناطق الشرقية من أقضية الخضيرة، وما يسمى بالمثلث الشمالي والجنوبي والأحياء الفلسطينية في القدس الشرقية. وقد لخص هذا السيناريو الوزير افرام سنيه باقتراحه القاضي بنقل العديد من القرى المأهولة فلسطينيا، داخل ما يسمى بالخط الأخضر، مثل أم الفحم باعتباره ترانسفير طبيعي، يتلاقى بدوره مع الترانسفير الاقتصادي الذي يطرحه سنيه أيضاً وقد التقى في ذلك مع غلاة المتطرفين مثل ليبرمان - لانداو، وعلى ما يبدو أن مخططات الطرد المطروحة هي ذاتها التي أسست لنيل موافقة حكومة شارون اليمينية المتطرفة لطرد عائلات الاستشهاديين، ما يسميه سنيه بالاعتداءات الانتحارية بعد هدم بيوتهم، ليصل بعد ذلك وزير الداخلية الإسرائيلي أيلي يشاي إلى طرح مبادرته الهادفة لسن تشريع يقول بإمكانية سحب الجنسية من هؤلاء. هذا الأمر عينه وهذه الأخلاقية العنصرية هي وحدها التي دفعت يشاي إلى وقف قبول طلبات جمع الشمل، وهي وحدها أيضاً التي دفعته إلى العمل وبشكل مكشوف ضد أصحاب الهويات الإسرائيلية الذين يسكنون في المناطق « الضفة والقطاع» . هذه السيناريوهات الطويلة الأجل لم ترض شارون وأعوانه رغم عنصريتها وفاشيتها، فقد بدأ بدفع أطراف تكتله إلى طرح الكثير من سيناريوهات الترانسفير، مثل كبير ضباط الطب في الجيش الإسرائيلي بين عامي 1997و2000، والذي يعمل في الوقت الحاضر مديراً لقسم الجراحة التجميلية في مستشفى هداسا في القدس، حيث يرى أن القوة هي اللغة المفهومة للجميع، والقول «أنا أريد» هو كلام مقنع حسب رأيه، ولا يحتاج إلى تبرير أخلاقي، لأن كل شيء هو نفاق بطبيعة الحال. بمعنى أدق يريد أن يكون مثل غير اليهودي البسيط والرجولي الذي لا يحتاج تبرير موقفه، وإنما يسخر من العالم. وإذا كان غير يهودي أجنبيا - فليكن أميركيا. ليس الأميركي الذي تعرض للارتباك والهزيمة في فيتنام، وإنما الأميركي الذي يقصف العراق، ويضرب الصرب، وحتى الذي ألقى القنبلة الذرية على هيروشيما. أما الأخطر من ذلك كله، فهو ما خطط له شارون فعلاً بالتوافق والاستناد إلى هذه الرؤوس الحاقدة العنصرية مثل الداد وغيره، بأنه ينتظر وقوع الكارثة العراقية وما تنتلوها من ترتيبات أميركية عاصفة، لطرد أكبر عدد ممكن من السكان الفلسطينيين في الضفة، خاصة المخيمات، نحو الأردن بهدف ضرب الاستقرار الداخلي له ومن ثم يدفع بمساعدة أميركية لإعلان دولة فلسطين فيه، مع إبقاء بعض الطرق الواصلة إلى بعض المدن الفلسطينية المجردة حتى من محيطها الجغرافي، بما في ذلك التواصل مع غزة عبر الممر الواصل لها. ولعل طرد بعض النشطاء وعائلات الاستشهاديين إلى غزة هي المقدمة لذلك حسب المتاح راهنا، إيذاناً بوقوع الكارثة الكبرى. ليتخلص بعد ذلك شارون من المشكلات الأمنية وحق عودة اللاجئين والقدس، وغير ذلك من الاستحقاقات المفروضة عليه حقوقياً وأخلاقياً. ـ كاتب فلسطيني