بعد قصف المناطق الآهلة بالسكان في قطاع غزة كمرحلة جديده في تصعيد العدوان الاسرائيلي على الشعب الفلسطيني يأتي الصمت الأميركي رسالة بليغة لأمة العرب مفادها أن واشنطن ماضية في دعمها وتأييدها اللامحدود لسياسة العدوان التي تنتهجها حكومة آرييل شارون وهو الأمر الذي يعني بوضوح أن الولايات المتحدة رغم حجمها وثقلها في التأثير على مجريات الأحداث في الشرق الأوسط باعتبارها القطب القوي الأوحد في عالم اليوم.. قد فقدت مصداقيتها أمام الشعوب العربية ومن العبث في ظل هذا الوضع الحديث عن أن أميركا هي راعي السلام في الشرق الأوسط خاصة بعد أن أضحى السلام أمرا مشكوكا في امكانية تحقيقه لاسيما بعد أن نسفت اسرائيل كل المبادرات الرامية الى العودة للطريق الذي من خلاله يمكن تحقيق التسوية السياسية! والسؤال الذي يطرح نفسه على بساط البحث لماذا الصمت الأميركي على العدوان الاسرائيلي ضد الشعب الفلسطيني؟ يمكن القول ان تناقضات السياسة الأميركية قد زادت عن الحد لدرجة أنه أصبح من السهل تقويم السلوك السياسي الأميركي في اطار النظر الى المواقف الأميركية وعكسها من قضايا الشرق الأوسط مما يعني أن الريبة والتوجس ستظلان عنصرا مهما عندما نحاول تحليل أبعاد السياسة الأميركية في الشرق الأوسط. فعندما يتحدث البيت الأبيض عن السلام فهو لا يعني سوى أمن اسرائيل بالدرجة الأولى وعندما تمارس الطغمة الحاكمة في تل أبيب سياسة غطرسة القوة ضد الشعب الفلسطيني يصمت صاحب القرار الاميركي وكأن الأمر مهما كانت مأساويته لا يعنيه. والأغرب من كل ما ذكر يحاولون بشتى الطرق تحميل الفلسطينيين أنفسهم مسئولية العدوان الاسرائيلي وكأن الشعب الفلسطيني ـ وهو المجني عليه ـ أصبح في العرف الأميركي «الجاني». موقف النظام الرسمي العربي من انحياز الراعي الأميركي لايمكن انكار أن هناك أصواتا عربية هنا أو هناك تستنكر الموقف الأميركي المؤيد ـ على طول الخط ـ لاسرائيل ولكنها أصوات خافتة بالقياس لمايجب أن يكون عليه الموقف العربي الرسمي والغريب أن بعض الساسة العرب من قبيل الديبلوماسية أو الحفاظ على الرباط مع الصديق الأميركي يحاولون تفهم وجهة النظر الأميركية ويقدمون المبررات للسياسة الأميركية المتناقضة في الشرق الأوسط ويلتمسون العذر لها خاصة بعد هجمات الحادي عشر من سبتمبر ونلاحظ أن سعي البعض الى البيت الأبيض هو لضمان حسن العلاقة مع الصديق حتى ولو تنكر لواجبات الصداقة أكثر من محاولة حلحلة قضية الشعب الفلسطيني. ولم نجد أحد ذهب الى جورج بوش يراجعه ويعارضه ويهدد مصالحه اذا لم يجعل ميزان العدل وسطا بين العرب واسرائيل ! في اعتقادي أن التعامل العربي الراهن مع السياسة الأميركية في الشرق الأوسط لن يقود الا الى مزيد من التنازل لصالح اسرائيل. هل يمكن معاملة الولايات المتحدة بالمثل؟ نعم نقول الولايات المتحدة دولة صديقة للعديد من الدول العربية الفاعلة وهذا أمر طبيعي ولكن من حق الصديق على صديقه أن يصارحه ويراجعه ويضغط عليه ـ اذا استطاع ـ من أجل تغيير مواقفه أو على الأقل التأثير فيها، ان لغة الصداقة .. هي لغة أخلاقية لا تستقيم مع المبادئ التي تحكم العلاقات بين الدول في عالم اليوم خاصة بين الأقوياء والمغلوبين على أمرهم فهناك منطق المصالح الذي يتجاهله الجانب العربي في كثير من الاحيان عندما يتعامل مع الطرف الأميركي رغم أن واشنطن تحكم علاقاتها بالعرب من خلال هذا المنطق. ويمكننا القول انه لولا أهمية منطقة الشرق الأوسط اقتصاديا وسياسيا واستراتيجيا بالنسبة للولايات المتحدة ما كان يمكن أن تعيرها أي اهتمام! ونتساءل .. لماذا لا يحاول العرب اعادة صياغة مواقفهم بنفس منطق المصالح خاصة أن الرسالة الأميركية الأخيرة واضحة للعيان . لا حياد ولا تراجع عن تأييد اسرائيل مهما تصاعد العدوان وأشتد الضغط الشاروني على الشعب العربي الفلسطيني؟!