لأن «ووتر جيت» أصبحت هي المصطلح الدال بامتياز على فضائح السياسة في أميركا، وربما في خارج حدودها، فقد بدأت أوساط شتى في أميركا ومن خارجها أيضا تتداول مصطلحات «فضائحية» جديدة على وزن ووتر جيت كي تصف بها مسلسل الانهيارات والافلاسات والاختلاسات والانحرافات التي ما برحت تتكشف في حلبة النشاط الاقتصادي والمالي والمحاسبي في الولايات المتحدة.. ومن هذه المصطلحات مثلا مصطلح «وورلد كوم جيت» وقبلها بالطبع «أنرون جيت» وغيرهما. وفيما كانت ووتر جيت تتسم بطابع سياسي وحزبي بحت وتشمل استخدام مجرمين محترفين، أو بالأدق لصوص من الدرجة الثالثة لاقتحام مقر الحزب الديمقراطي المعارض وقتها ـ فقد اكتسبت ووتر جيت أهميتها ودخلت بهذه الأهمية سجل الأدبيات السياسية الأميركية من واقع أمرين: أولهما يتمثل في الدور الذي لعبه في ملابساتها الرئيس الأسبق نيكسون بوصفه السلطة الأعلى المتربعة على أريكة الحكم في البيت الأبيض. والثاني أن هذا الدور «الرئاسي» بالذات لم يكن دورا مباشرا بالطبع ولكن كان مؤداه، كما أصبح معروفا أن رئيس الدولة بكل جلال منصبه الرفيع لم يتورع عن لفلفة الأحداث ومحاولة التغطية ـ التطنيش كما يقول المصريون ـ على الجريمة التي ارتكبت ثم أفضى به هذا الموقف الى مسلسل من البيانات والتصريحات التي كانت تفتقر الى الصدق ابتداء من التصريح الشهير الذي قال فيه: أيها المواطنون.. أنا لست محتالا ولا نصابا (كروك كما يقول نص التعبير الذي استخدمه نيكسون في الانجليزية) وليس انتهاء باخفاء الحقيقة والتستر على الأكاذيب ولدرجة خرج معها ريتشارد نيكسون مستقيلا ومدانا ومهانا ويشّيعه الوصف الذي ما زال لصيقا بسيرته للأسف وهو: أن هذا الرجل كذب على الأمة. دهاقنة الميديا والمعنى أنه حين تشرع الميديا والمحللون السياسيون ودهاقنة الاعلام والرأي في واشنطن (البونديتس كما يسمونهم) في استخدام تعابير من قبيل «إنرون جيت» واخواتها حيث مسلسل الفضائح الاقتصادية، ما زال متواصلا وما انفك حبلُه على الجراّر ـ كما يقول اللبنانيون ـ فمعنى ذلك أن الأمر خطير وأن رئاسة أكبر دولة في عصرنا أصبح يحدق بها خطر جسيم. واذا كان بديهيا أن أهل أميركا، وأهل أي دولة أخرى في كوكبنا ـ كبيرة كانت أو صغيرة ـ أدرى بشعابها وأعلم بمشاكلها من سواهم ـ فإن مشكلتنا في العالم العربي أن علينا متابعة ما يجري داخل مواقع صنع وهندسة واتخاذ القرار في أروقة السياسة الأميركية، وعلينا بالذات متابعة الرئيس جورج دبليو بوش شخصيا والحلقة الضيقة التي تحيط به من الساسة وكبار المعاونين. ـ لماذا؟ ـ لأن الأمر الأميركي مشتبك بسوء المصادفات مع قضايانا في العالم العربي، سواء على مستوى الصراع الدموي الراهن في فلسطين أو على مستوى الصراع الدموي المتوقع ـ للأسف الشديد ـ في العراق. نصيحة ميكافيللي أن أي سياسي وأي حاكم وأي مسئول على اختلاف المكان والزمان لا يتورع عن أن يصغي بجد واهتمام شديدين الى نصيحة الكاتب السياسي الأشهر نيكولاي ميكافيللي ومؤداها ببساطة: ـ إن صادفتك مشكلة داخلية تهدد مكانك أو مكانتك.. فلا تتردد ـ لا تتورع ـ عن تحويل اهتمامات الناس وتخفيف وطأة مشكلتك بافتعال الحركة واثارة المشاكل خارج الحدود.. وترجمة هذا الكلام تعني ببساطة أيضا أن الحاكم لكي يصرف خطر مشاكل الداخل، عليه أن يحول الاهتمامات الى قضايا الخارج.. وبالتحديد عليه أن يلتمس انتصارات أو ايجابيات في الخارج تعوضه ولو مرحليا عن سلبيات الداخل أو بالتحديد «تشتري» له مزيدا من الوقت ومزيدا من شهرة الدعاية وفسحة معقولة سواء لالتقاط الأنفاس أو اعادة ترتيب أوراق اللعبة السياسية. بين الداخل والخارج وبقدر ما نرصد اشتداد أزمة الداخل، بقدر ما يتوجب على المراقب السياسي أن يتوقع اشتداد وتصعيد الحركة في الخارج. في هذا السياق، ليس لأحد أن يهون أو يقلل من وطأة الأزمة، بل الأزمات التي تواجهها ادارة الرئيس بوش في المرحلة الراهنة. وبعيدا عن التفاصيل يكتب المحلل البريطاني «لاري إليوت» ليصف بايجاز دقيق مشاعر الجماهير الأميركية وسط مسلسل الفضائح المالية والمؤسساتية والمحاسبية التي تكشفت مؤخرا فيقول: ـ يشعر الناس (في أميركا) بأنهم كانوا ضحية لعمليات خداع واحتيال واستدراج وتغرير.. ومن ثم فهم يريدون أن يروا رؤوسا يُطاح بها وتتدحرج على جوانب الطريق. ويصل الخطر مبلغه عندما نعرف أن هذه الجماهير تستعد حاليا لكي تدلي بأصواتها في صناديق انتخابات التجديد النصفي لمجلسي الكونغرس في شهر نوفمبر المقبل.. ومن ثم فإن عددا لا يستهان به من النواب والشيوخ في المجلس التشريعي الأميركي يستعدون للتوجه الى دوائرهم ومواقعهم الانتخابية في الولايات المختلفة وهم ينتمون الى الحزب الجمهوري الحاكم، ولابد أن يلتقوا بناخبيهم من الأنصار الى الخصوم الى المحايدين ممن لم يستقروا على رأي بعد (وهم النسبة الأغلب والأهم بين جماهير المقترعين في الانتخابات) وقد حملوا في جعبتهم «هدايا» سياسية، على شكل انتصارات ولو في الخارج.. أو على شكل تعويضات سياسية ولو على حساب شعوب الخارج.. وتلك هدايا يمكن استخدامها أو بالأدق استغلالها لزوم التعويض عن فضائح الداخل أو لزوم التغطية ـ ولو الى حين ـ على ما أصبح يواجهه اقتصاد الولايات المتحدة من تصدعات ومشكلات تهدد بانعدام ثقة المستثمرين والمساهمين وأصحاب رؤوس الأموال على السواء. ولقد بلغ أمر المُشكل الاقتصادي والمالي الحد الذي جعل مجلة محافظة مثل «الايكونومست» تنشر موضوعا عن أزمة الاقتصاد الأميركي تلخصه بقولها: ـ إن الرئيس جورج بوش يفقد السيطرة على الأجندة السياسية الأميركية.. بل أن «الايكونومست» تحذر الرئيس ـ الابن من نفس المصير الذي لقيه الرئيس بوش الأب ـ منذ عشر سنوات بالضبط: وكان الأب قد دخل معركته الانتخابية ضد سياسي مغمور قادم من أرياف أركنسو ومحفوف بفضائح سلوكية اسمه بيل كلينتون ـ ثم كان الأب قد خاض معركة التجديد الرئاسي وفي جعبته انتصاره في حرب الخليج الثانية وتبشيره ـ إن كنت لا تزال تذكر ـ بما سبق وأن وصفه الرئيس بوش الكبير بالنظام الدولي الجديد بعد سقوط الاتحاد السوفييتي. ولكن هذا كله لم يشفع للرجل الذي لم تسعفه لا مواهبه كسياسي محنك ولا سابق خدمته كنائب أسبق لرئيس الدولة، ولا واسع خبرته كسفير في الصين، أو مندوب لبلاده في الأمم المتحدة بل ورئيس للمخابرات المركزية الأميركية يومها سقط بوش الأب في الانتخابات ودخل التاريخ من باب ضيق مرفوض اسمه رئيس الولاية الواحدة وتكسرت أحلامه ومواهبه على صخرة كأداء قاسية تحمل اسما واحدا هو: ـ الاقتصاد.. لا عجب أن تختار الايكونومست لموضوعها عنوانا تخاطب فيه بوش الابن قائلة: ـ إنه الاقتصاد.. يا سيادة الريّس الارهاب طوق الانقاذ وعندما تولى الرئيس بوش ـ الابن مقاليد الأمور في بلاده ـ شكك المحللون في قدراته مشيرين في ذلك الى قلة درايته بالشئون الدولية. وربما وجد أخصائيو الدعاية العاملون معه بغيتهم في شعار الحرب ضد الارهاب بوصفه طوق الانقاذ الذي ارتفع بعد 11 سبتمبر لنقل رئيسهم الى خانة رجل القرار والفعل والتصميم.. كيف لا وقد جهدوا في تصوير حرب الارهاب في صورة إنقاذ الحضارة وتأمين الكيان الوطني أو على نحو ما تذهب اليه الايكونومست (عدد 2 أغسطس 2002) حين تقول ان اعلان الحرب على الارهاب كان محور رئاسة بوش وقد اتاح له أن ينعم بتأييد شعبي واسع النطاق في الداخل والخارج إذ كان الناس ينظرون اليه على أنه يعمل بما يحقق مصالح العالم بأسره. إلا أن المجلة البريطانية لا تلبث أن تحذر من مواصلة الخطى على نفس الطريق: طريق التماس التأييد على حساب ضرب العراق وفي هذا الصدد تضيف قائلة: ـ أي تصور منطقي يفيد بأن توقيت أي عمليات في العراق جاء محكوما بعوامل السياسة المحلية الأميركية سيكون أمرا مدمرا (بالنسبة لرئاسة جورج دبليو بوش) أن بوسع هذه الرئاسة أن تتحمل قدرا من التضاؤل أو الشحوب ولكنها لن تستطيع أن تتحمل مغبة ذلك التصور العام بأنها لا تعمل ولا يعنيها سوى استمرارها في السلطة دون أي شئ آخر. المواجهة مع صدام ولقد تكمن مشكلة الرئيس بوش ـ وربما مشكلة جميع من بيدهم القرار الأول في كل أنحاء الدنيا، في أنهم محاطون بصورة أو بأخرى بجماعات من الناس ـ أصحاب المصالح بالذات ـ ممن يزينون لهم ما يفعلون وممن يصبغون قرارات هؤلاء الحاكمين بمسوح وردية مغرقة في التفاؤل. فلنفرض جدلا ـ هكذا تواصل الايكونومست ـ أن اقتصاد أميركا ظل في حال من النمو (وهذا أمر مشكوك فيه) أو تقصد جدلا أن أميركا أفلحت في ازالة صدام حسين من الصورة (وهو أمر ما زال موضعا لأخذ ورّد على أصعدة سياسية وعسكرية، ولوجستية) فهل معنى ذلك أن الرئيس بوش سوف يواصل طريقه الى تجديد ولايته في سباق 2004 الرئاسي المقبل؟ تجيب «الايكونومست» قائلة: إن السير على طريق التجديد لابد وأن يستند الى قوة دفع فيما تعاني رئاسة بوش حاليا من نقص الاندفاع بل تعاني بداية الانحدار. فالاقتصاد قد يتبع خطى البورصة في التراجع والانكماش والانكسار نحو الأزمة.. والتفتيش في الصفحات الماضية للأنشطة المالية الشخصية للرئيس الأميركي ونائبه تشيني قد يكشف عن وقائع أو تصرفات ما أنزل الله بها من سلطان.. وحرب العراق قد تتحول من طوق انقاذ لرئاسة بوش الى حيث تصبح كارثة ترتد الى نحر البيت الأبيض أو قد يؤخر دوران عجلتها وقوع أحداث غير متوقعة في الشرق الأوسط _بالتحديد في حلبة الصراع الفلسطيني ـ الاسرائيلي) ولاسيما أن خطة بوش التي حملت شعار السلام جاءت قاصرة ومبتسرة بل ويمكن أن تفضي الى مزيد من سفك الدماء (على نحو ما تشهد به الأحداث الراهنة من ناحية وبحكم الانحياز الغريب من جانب الرئيس بوش الى الطرف الاسرائيلي المعتدي والمحتل من ناحية أخرى). وفي هذا المضمار تنشر الجارديان ويكلي (عدد 10 يوليو 2002) تحليلا سياسيا بقلم الكاتب الانجليزي جوناثان فريدلاند يعّلق فيه على خطة ورؤية جورج بوش بالنسبة للشرق الأوسط قائلا: ـ إنها خطة عبثية ومحكوم عليها بالفشل ومن شأنها أن تساعد الذين يريدون الحرب في المنطقة ولا يريدون السلام. سويسرا أو فلسطين؟ ويتطرق الكاتب الانجليزي في تحليله الى دعوة بوش لما وصفه بأنه اصلاح السلطة الفلسطينية والى حديثه عن الانتخابات والأساليب الديمقراطية وحقوق الانسان الى آخر الفانتازيا السياسية التي حفلت بها تصريحات بوش الذي يعلق عليها جوناثان فريدلاند قائلا في لهجة ساخرة: ـ كأنما يطلب بوش من فلسطين أن تكون السويد (!) قبل أن تتمكن أصلا من أن تكون.. فلسطين.. إنه يطلب من فلسطين أن تكون مستقرة ومزدهرة وتتيه عجبا بترتيبات دستورية ما زالت بعيدة حتى عن بلد مثل بريطانيا ناهيك عن أقطار العالم العربي.. كل ذلك دون أن تتمكن فلسطين من أن تصبح حتى مجرد دولة.. بل أنها دولة قيد الانتظار.. كل ذلك والفلسطينيون لا يزالون رازحين تحت نير الاحتلال. ثم يحيل الكاتب الانجليزي الى ملاحظات سجلتها وتساءلت عنها جريدة «نيويورك تايمز» الأميركية قائلة: ـ كيف نتوقع من الفلسطينيين أن يجروا انتخابات أو اصلاحات.. بينما هم يعانون حالة حصار كامل وقد أحدقت بهم قوات الجيش الاسرائيلي من كل حدب وصوب. وزراء بوتمكين أخيرا يعلق فريدلاند على هذا المشهد الغريب المتناقض قائلا: ـ في هذا المشهد لا يستطيع وزراء السلطة الفلسطينية أن يزوروا القرى التي لا تبعد عنهم سوى عشر دقائق.. بوسعهم أن يصدروا قوانين ولكن ليس في طوقهم أن ينفذوها.. حتى ليصدق عليهم وصف وزراء بوتمكين (في إشارة الى المارشال الروسي الذي شيد صروحا صورية لإرضاء مليكته).. وزراء على الورق ليس إلا.. ومع ذلك فها هو بوش يطالبهم بأن يقيموا فردوسا سويسريا على أرض الشرق الأوسط حيث الشوارع تلمع من النظافة وحيث الحكومة تعمل بدقة مثل تروس الساعة.. هنالك يستحضر الكاتب البريطاني أسطورة «أليس في بلاد العجائب» ويتساءل في سخرية قائلا: ـ «ألا يحق لنا أن نتابع هذا المشهد ونصفه بأنه أقرب الى مشهد جورج.. في بلاد العجائب..؟». ـ كاتب سياسي من مصر