يحكى ان البحتري دخل على ابي سعيد محمد بن يوسف الثغري، وقد مدحه بقصيدة، وقصده بها، فألفى عنده ابا تمام وقد انشده قصيدة له فيه، فاستأذنه البحتري في الانشاد وهو يومئذ حديث السن، فقال له: يا غلام اتنشدني بحضرة ابي تمام؟ فقال: تأذن ويستمع فقام فأنشده اياها وابو تمام يسمع ويهتز من قرنه الى قدمه استحسانا لها فلما فرغ منها قال: احسنت والله يا غلام فممن انت؟ قال: من طيء، فطرب ابو تمام وقال: من طيء الحمدلله على ذلك، لوددت ان كل طائية تلد مثلك، وقال لمحمد بن يوسف: قد جعلت له جائزتي، فأمر محمد بها فضمت الى مثلها، ودفعت الى البحتري واعطى ابا تمام مثلها وخص به وكان مداحا له طول ايامه ولابنه بعده ورثاهما بعد مقتليهما، فأجاد ومراثيه فيهما اجود من مدائحه، وروى انه قيل له في ذلك فقال: من تمام الوفاء ان تفضل المراثى المدائح. كان البحتري من اوسخ خلق الله ثوبا وآلة وابخلهم على كل شيء وكان له اخ وغلام معه في داره فكان يقتلهما جوعا فاذا بلغ منهما الجوع اتياه يبكيان فيرمي اليهما بثمن اقواتهما مضيقا مقترا ويقول: كلا اجاع الله اكبادكما واعرى اجلادكما واطال اجهادكما. وقال ابو مسلم محمد بن بحر الاصبهاني الكاتب دخلت على البحتري يوما فاحتبسنى عنده ودعا بطعام له ودعاني اليه فامتنعت من اكله، وعنده شيخ شامي لا اعرفه فدعاه الى الطعام فتقدم واكل معه اكلا عنيفا فغاظه ذلك والتفت الي فقال لي: اتعرف هذا الشيخ؟ فقلت: لا قال: هذا شيخ من بنى الهجيم الذين يقول فيهم الشاعر: وبنو الهجيم قبيلة ملعونة حص اللحى متشابهو الالوان لو يسمعون بأكلة او شربة بعمان اصبح جمعهم بعمان ـــــ رد أفحم يروى عن الكميت انه لما قدم على «ذو الرمة» قال له: اني قد قلت قصيدة عارضت بها قصيدتك: ما بال عينك منها الماء ينسكب فقال: واي شيء قلت؟ قال: قلت: هل أنت عن طلب الايفاع منقلب أم كيف يحسن من ذي الشيبة اللعب؟! حتى انشده اياها، فقال: ويحك! انك لتقول قولا ما يقدر انسان ان يقول لك اصبت ولا اخطأت، وذلك انك تصف الشيء فلا تجيء به، ولا تقع بعيدا منه بل تقع قريبا فأجابه الكميت: او تدري لم ذلك؟ قال: لا قال: لانك تصف شيئا رأيته بعينك، وانا اصف شيئاً وصف لي، وليست المعاينة كالوصف. قال: فسكت. ـــــ ذكر لا يبيد التقت ريا بنت الكميت بن زيد، وفاطمة بنت ابان بن الوليد بمكة، وهما حاجتان فتساءلتا حتى تعارفتا فدفعت بنت ابان الى بنت الكميت خلخالي ذهب كانا عليها فقالت لها بنت الكميت: جزاكم الله خيرا يا آل ابان، فما تتركون بركم بنا قديما ولا حديثا! فقالت لها بنت ابان: بل انتم فجزاكم الله خيرا فإنا اعطيناكم ما يبيد ويفنى واعطيتمونا من المجد والشرف ما يبقى ابدا ولا يبيد، يتناشده الناس في المحافل فيحيي ميت الذكر، ويرفع بقية العقب.