غريب أمر الذاكرة حين تباغتك بمواقف علاها غبار الزمن، وسُتفت على ارفف الماضي البعيد، خاصة ان الايقاع السريع للحياة اصاب الذاكرة بالثقوب والترهل، واصبح يكفينا ان نتذكر يومنا، أو أمسنا على الأكثر، غريب أمر الذاكرة حين تأخذ بناصية عقلك ووجدانك الى اشياء تكاد رائحتها تقتحم أنفك، وكأن الماضي تجسد امامك بكل تفاصيله واصواته وملامحه. حدث ذلك اثناء مشاهدتي للفيلم التلفزيوني «لا اكذب لكني اتجمل» الذي عرض منذ ايام، ورغم رؤيتي لهذا الفيلم عدة مرات إلا أن المشهد الذي تستنكف فيه آثار الحكيم عن تناول فطيرة ممن يأتي بها زوار مدافن ذويهم جعلني افكر ملياً في الدوافع النفسية لهذا الرفض، وبالطبع لم يكن تخوف البطلة من أكل الفطيرة سوى احساسها برائحة الموت التي تكتنف هذه العادة الطقسية. انه الموت شاغل البشرية منذ بدء الخليقة، والذي دفع بسليمان الحكيم الى قوله «الكل باطل وقبض الريح».. انه ذلك الحصار الموجع والتهديد الحقيقي لوجود الانسان والصيغة المطلقة لفنائه. ولأننا نجهل ماهية الموت ومواعيده وما بعده من حياة اخرى، فان النسيان هو المخرج الوحيد من الاحساس بوطأة الموت، ومحاولة دفع شبحه عن حركتنا اليومية وشعورنا بالقلق. ومازلت اتذكر موقفاً حدث لي بخصوص هذا الكابوس النفسي الذي يعيشه بعضنا بسبب الموت، فعندما كنت في العشرين من عمري تعرفت عن طريق أحد اقربائي على مدرس شاب يتسم بالوسامة والاناقة وحسن الخلق، فله وجه مشرب بسمرة الحنطة، وعينان تموجان بالذكاء، ولما كان يعمل في مدرسة للبنات، بات محل اعجاب وانبهار من تلميذاته، خاصة انه شاعر عامية راق.. وعندما طلب يد احدى طالباته للزواج، قوبل بالرفض المهين، فضلاً عن تهرب باقي التلميذات من محاولة طلبه الزواج من احداهن. ولم يكن يخطر على عقولنا ان وظيفة والده سوف تكون السبب المباشر لتعاسته، وهي مهنة مثل باقي المهن، لكن والده يعمل حارساً للقبور. وهو الوحيد في بلدتنا لهذه الوظيفة، فارتبط اسمه بالموت مثل ارتباط «عشماوي» بشنق المتهمين. هكذا رأينا مدى تأثير الموت على عقلانيتنا ومنطقنا في حكمنا على الامور، فوالد هذا الشاب في نظر الناس عاهل الجماجم والاكفان ورمز الغياب الذي نخاف منه ونكرهه، وصديق العفاريت والاشباح وحارس الصمت الابدي. لقد كان اصحاب الاعراس في بلدتنا يسخرون ويتشاءمون من وجود هذا الرجل، فهو يمثل لون السواد امام بياض فساتين الزفاف، وهو دليل البكاء والعويل. ان هذا الموقف يكشف عن مدى الخلل والقصور اللذين يسيطران على البنية النفسية لمجتمعاتنا العربية.. تلك التي تخضع للهرطقة والخزعبلات، حتى اصبحت أسيرة لسلطة القبر وكأننا نعاني من قلة السلطات التي تجثم على نفوسنا وعقولنا. واخيراً اقول لزميل العمل عن سؤاله عن سبب انشغال الشرقيين بالموت اكثر من الغربيين ـ بأنني فشلت فشلاً ذريعاً في الاجابة عليه، لكن يبدو انني عثرت على ضالتي في أحد كتب المفكر الانجليزي فرنسيس بيكون، حين قال: «ان العقل المستغرق في العمل النافع والمجدي باستطاعته تجنب مخاوف الموت» فهل ترى يا صديقي بأننا منشغلون بالموت اكثر من اللازم، لاننا فاشلون ومتقاعسون عن العمل الحقيقي والنافع؟.. اجبني بربك الكريم.