محمد بن راشد في قصيدته «نارين» من جَرّب الوقت يدري مزحه وجده ويْعَرْف قبْل البداية كيف ينهيها وقتِ الرّخا الناس واحد لكن الشده اتْمَيز النّاس عاليها ودانيها ذلك مطلع لآخر ما كتبه سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة حفظه الله من قصائد في هذه المناسبة الكريمة على نفوس أهل الامارات مناسبة جلوسه السادسة والثلاثين رعاه المولى القدير. والقصيدة ليست بالطويلة جداً فهي ثلاثة عشر بيتاً بدأها بداية أهل الحكمة والتجريب من الشعراء أولئك الذين خَبِروا الدنيا وعرفوها هَزلا وجداً وعرفوا أهلها وتَغَيراتهم مع تغيرات أحوال زمانهم رَخاءً وشدة. وسمو الشيخ محمد في مطلع قصيدته هذا كأني به رغم إيراده للحكمة إيراداً يبدو لأول وهلة أنّه لا علاقه له بالشيخ زايد وصفاته التي أراد إبرازها والثناء عليها فيما بَعد إلاّ أنه في الحقيقة بإيراد حكمته تِلك بأن الناس إنّما يظهرون على حقيقتهم في الشدائد، إنما أراد ان يقول معنَييَن جميلين أن زايد رجل حَنّكَتْهُ التجارب وصقلته تقلبات الدهر فظهر معدنه للناس صافيا كالذهب. والمعنى الثاني هو أن زايد انما يعرف معادن الناس لأَنّه عرف الدنيا وعرف الناس اذا تقلبت بهم الدنيا وتغيّر الدهر. وفي ذلك المطلع الجميل الحكيم في قصيدة سمو الشيخ محمد تقديمُ رَفيق رقيق غير فَج وايرادٌ لصفةِ الحكمة التي شاعت عن صاحب السمو الشيخ زايد وذلك بأسلوب غير مباشر مُتَكَلف يوحي بالصفة من غير أن يُصَرحَ بها وكم من تضمين وتلميح أبلغ من تصريح. ـــ سهرتْ والليل له جِنْحان مسوده أدير فكري بها الدنيا ومعانيها وآقول لو كان زايد ما سمح مَجْده للناس من كان من هالناس يَغْنيها وهكذا ينتقل سمو الشيخ محمد من الحكمة التي أوردها أولاً انتقال الشاعر الذي يَظْهَرُ مفاجئاً إلا أنه انتقال الشاعر المصَور من صورةٍ الى أخرى وهكذا فعل سمو الشيخ محمد بن راشد مُنتقلاً من الحكمة إلى صورةٍ أُخرى لحالِهِ سهراناً في ليل اسْوَد جناحاهُ يدير فكره في الدنيا ومعانيها فإذا بفكرِهِ يذهب به إلى أن رَجُلاً عرفَتْهُ الدنيا بحكمتهِ لكثرة تجربته لها ذلك هو زايد الذي ذهَب يقول عنه ويُكرر كلمة «أقول» في أبياتٍ ثلاثة متتاليةٍ قاصداً التأكيد والإيمان بما يقول عن زايد، فمن كان للناس لو لم يسمح مجدُ زايد ولم يتسع جُهْدَهُ للبذل لهم ورعايتهم ومن كان للبلاد يذود عنها لو لم يتعهد زايد باحتضانها ومن لصروح العز يبنيها لو لم يبنها زايد فقال: وآقول لو كان زايد ماسمحْ مَجْده للناس من كان من هالناس يَغنِيها وآقول لو كان زايد ما عطى عهده يحمي بلادِه فَمنَ هو كان يحميها وآقول لو ما بَنَى صَرح العُلا وحده من كان يِقْدَر صروح العِز يبنيها ـــ ثم يذهب سمو الشيخ محمد بن راشد مَذْهَباً آخر فينتقل من حال التساؤلِ المُقَررِ للحقائق إلى حالِ المُقَررِ لصفاتٍ ليست في زايد ولكنها حالات الحب والوفاء لزايد في قلوب الناس جميعاً أو كل من عرفه من الناس وليس شعبه وَحدهُ فالعالم الذي عَرَفَ سِمات زايد ولمسها مؤازرٌ لزايد مناصِرٌ له والعالم جميعاً مُحِبٌ لمن يحب زايد وكل ذلك لمحبةٍ في روح زايد هو الذي يعطيها ويُحييها ويَبُثها في روح كل من عرفه، فقال محمد بن راشد: ومن كان ضِدّه فكل العالم اتْصدّه بِقلوبْ ما غير زايد ساكنٍ فيها ومن كانْ يودّه فكل العالم تْوِدّه محبةٍ هوه معْطيها ومحييها وفي هذين البيتين أُسلوب جميلٌ للثناء على الشيخ زايد بصفةٍ جميلة هي صفة الوُد والمحبة التي وجدها الشاعر سمو الشيخ محمد في نفوس الناس لزايد فإذا بها سمة هي في الأصل سمةُ من سماتِ زايد التي فاضت بها نفسه المحبة على من سواه فإذا هو كريم حتى على من يحبه وإذا هو السابق الى ذلك الحب. ـــ إيْمِدّ مَدّات جودٍ ما لها مده مدِيْمةٍ بالكرم فاضت مغانيها ويْرِدّ رَدّات والعادين ما تْردّه وتْردّ عَنه ذليله ضاع واليها وفي هذين البيتين مقابلة جميلة بين كلمتين تُظْهِرانِ حركتين متضادتينِ، الأُولى تُفيد العطاء والجود الذي لا شبيه له بقوله «يمدّ مدّات» والثانية بقوله «يْرد ردّات» كناية عن الصد والقوة في الدفاع عن بلده وشعبه. وفي تلك المقابلة نباهة واضحةٌ والتفات إلى أن القائد الحقيقي لابد له من سمات تَظْهَرُ متناسبةً مع أحوال زمانِهِ وظروف حياة شعبه فلا يصلح القائد الكريم لا قوة له ولا حَزْم ولا يَصْلُحُ القائد ذو البطش والقوة من غير كرم وجود في مواضع الكرم والعطاء. وكأني بالشيخ محمد بن راشد في هذين البيتين يشير إشارة خفِية إلى قول أبي الطيب المتنبي: ووضع الندى في موضع السيف بالعُلى مُضِر كوضع السيفِ في موضع الندى ـــ ثم يأتي سمو الشيخ محمد الى خاتمة القصيدة وبيت القصيد فيها والذي اخذ منه عنوان القصيدة واصفاً صاحب السمو الشيخ زايد بأن له نارين نارٌ لمن يحبه «يودّه» وهي لضيوفه وأحبابه فيها «القِرى» والعطاء ونار لمن يعاديه وهو بناريه يحمي حمى أُمَته بعطائه ووفائه وبدفع أعاديها عنها .. نارين عِندِه لمن وَدهْ ومن حَدهْ نار لْضيوفه ونار لْمن يعاديها يحمى حمى أمّتِه لى سعدها سعده إلى طريق السعاده دومْ يهديها ولمحمد بن راشد اسلوبه في هذه القصيدة الحريص على ايراد المقابلات اللفظية في ابياتها لما لذلك الاسلوب من أثر يكمن فيما تتركه الموسيقى الواضحة من ذلك التقابل وذلك الاثر المعنوي الخفي الذي تتركه المعاني المتقابلة المتناقضة للالفاظ في الروح مؤكدةً المعنى المراد للشاعر بغير عناء. وذلك أسلوب عربي له تاريخه الطويل في الشعر العربي، الامر الذي يدل على مطالعة طويلة وعميقة لسمو الشيخ محمد بن راشد في الشعر العربي وعيونه، ثم يختم سمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم قصيدته المهداة الى صاحب السمو رئيس الدولة في يوم جلوسه الكريم بتهنئة له ولشعبه ولجنده وبلاده بطولها وعرضها لنيلها أمانيها في عهد زايد . وللشيخ محمد في هذا البيت اشارة جميلة الى الوحدة الروحية بين صاحب السمو القائد وشعبه وجنوده البواسل حين زف التهنئة الى شعبه وجنوده ولم يزفها الى زايد تصريحاً بل تضمينا واشارة إلى الوحدة بينه وبين شعبه وجنوده. وكأنه يقول إنني حين اهنيء الشعب إنما أُهنيءُ زايد، فزايد وشعبه جسد واحد وروح واحدة فقال: في يوم عيده أهنّي شعبهْ وجنْده واهَنّي بْلادْ به نالَتْ أمانيها