من أهم ما يحسب لثورة الثالث والعشرين من يوليو التي تم الاحتفال بمرور نصف قرن على قيامها أنها وقفت بالمرصاد للأطماع الصهيونية في المنطقة العربية عبر مراحلها المختلفة. وسواء نجحت الثورة غالبا أو أخفقت أحيانا في إنجاز هذه المهمة القومية إلا أنها في التحليل الأخير كانت ـ وأعتقد ستظل ـ العدو الأول للصهيونية واسرائيل! ويمكن تفسير ذلك بأن ثورة يوليو كشفت النقاب عن الأهداف التوسعية الاسرائيلية ليس فيما يتعلق بالجانب الايديولوجي أو العقائدي للصهيونية السياسية فقط فيما يسمى بدولة اسرائيل الكبرى من النيل الى الفرات، ولكن فيما يتعلق بما يمكن أن نطلق عليه التوسع الأفقي بمعنى محاولات اسرائيل هدم النظام الاقليمي العربي عن طريق اختراقه من مداخل غير تقليدية من أهمها في تقديري: (1) المدخل الاقتصادي والتقني. (2) المدخل الثقافي والاجتماعي. فمن الثابت أن الدولة العبرية قد فشلت في اختراق النظام الاقليمي العربي سياسيا حتى في أشد حالات النظام الرسمي العربي عجزا. وتتلخص أسلحة مواجهة النظام الاقليمي العربي لاسرائيل خاصة في الحقبة الناصرية 1952 - 1970 في وسيلتين أثبتتا فاعليتهما: (1) حشد الصف العربي في اطار تعبئة قومية للناطقين بالضاد من المحيط الى الخليج. (2) تحرك مضاد في دوائر وأروقة النظام الدولي بشكل الفعل وليس رد الفعل معتمدا على طبيعة هذا النظام الذي يتميز بالقطبية الثنائية، وبلغ التحرك العربي مداه في دائرتي مجموعة دول عدم الانحياز في آسيا وأفريقيا واميركا اللاتينية ومجموعة دول ما كان يعرف بالمعسكر الاشتراكي أو الكتلة الشرقية. ويمكن الاشارة هنا الى أن الشعور الجماعي بالروح العروبية التي تعرف في أدبيات الفكر العربي بالقومية العربية قد علت وتيرته بشكل غير مسبوق في التاريخ العربي المعاصر أو تحديدا في الفترة بين عامي 1805 حين تولى محمد علي حكم مصر و1952 قيام ثورة يوليو، وذلك خلال الحقبة الناصرية وهو الأمر الذي يذكرنا بالمرتكزات العظيمة في تاريخ الأمة العربية والاسلامية، سواء في صدر الاسلام وازدهار الدولة الاسلامية الكبرى عندما هزم العرب والمسلمون القوى الكبرى في العالم آنذاك وهما الفرس والروم، أو الانتصار العربي والاسلامي على الحملات الصليبية القادمة من الغرب الأوروبي وهجمات التتار القادمة من وسط آسيا. على كل حال إن التحرك العربي في مرحلة ما بعد ثورة 23 يوليو عام 1952 نجح في اعتقادي في توضيح صورة اسرائيل الحقيقية أمام الرأي العام العالمي خاصة عندما تحالفت الطغمة الحاكمة في تل أبيب مع القوى الاستعمارية التقليدية للقضاء على هذه الثورة فيما يعرف بحرب السويس عام 1956. ولاشك أنه تم تحقيق نجاحات كبيرة في دائرتي دول عدم الانحياز والكتلة الشرقية استفاد خلالها التحرك الجماعي العربي بقيادة مصر جمال عبدالناصر من التناقضات الناجمة عن الصراع البارد بين الشرق الاشتراكي والغرب الرأسمالي سياسيا واقتصاديا.. ومن ثم ظهرت اسرائيل أمام الجميع دولة عنصرية ذات أهداف توسعية وعليه لم يكن من الصعوبة التأكيد على مفاهيم مهمة في الفكر السياسي والعلاقات الدولية باعتبارهما فرعين رئيسيين للعلوم السياسية من أهمها أن اسرائيل تظل النموذج الأكثر وضوحا في ممارسات الاستعمار الاستيطاني وإن اسرائيل تعبر عن فكر متطرف قوامه الصهيونية بجوانبها الدينية والسياسية والثقافية مما يعني أن الصهيونية مرادف للعنصرية ورغم النجاح العربي في اقناع العالم بهذا المفهوم والحصول على اعتراف دولي في الأمم المتحدة بذلك إلا أنه حدث تراجع عن ذلك في وقت لاحق لأسباب يمكن فهمها في سياق ما نعرض له. ويمكن القول أن المواجهة بين العروبة والصهيونية ارتبطت بحقيقة حضارية وثقافية لا يمكن اهمالها وهي أنه كلما تمسك العرب بهويتهم القومية كلما زادت اليقظة في هذه المواجهة!! ولذلك كان من الطبيعي أن يحول المد القومي العربي دون تسرب المد الصهيوني الى النظام الاقليمي العربي. وعندما جنح العرب للسلام مع اسرائيل في ظل متغيرات رجحت لغة السياسة والدبلوماسية على لغة الحرب والمواجهة المسلحة وبعد أربع حروب خلال خمسة وعشرين عاما فقط.. نقول عندما جنح العرب للسلام أعادت اسرائيل دراسة حساباتها من جديد على أساس أنها أضحت أمام فرصة ربما لن تتكرر ولم تتحقق لها خلال سنوات المواجهة العسكرية وهي التفكير في كيفية اختراق النظام الاقليمي العربي من خلال احداث تفاعلات معينة تطلقها أربعة افتراضات حاول صانع القرار في اسرائيل إقناع نفسه بها وبالتالي البناء عليها... ـ الافتراض الأول: إن الفكر والعقل العربي بدأ يستوعب ما يمكن تسميته في ظل ما يعرف بثقافة السلام بقبول اسرائيل «الكيان الصهيوني» في الحظيرة العربية وهو ما كان مرفوضا شكلا وموضوعا في فترات المواجهة المحتدمة لاسيما في حقبة عبدالناصر. ـ الافتراض الثاني: أن اسرائيل تمتلك خبرة فنية وقدرة تكنولوجية متفوقة بالقياس بمثيلاتها في الجانب العربي وربما من منطلق التخصص أو ما يسمى بالميزة النسبية بحثت اسرائيل عن صيغ ملتوية للتغلغل في الاقتصادات العربية تحت مسميات براقة لخصها الداهية الصهيوني شيمون بيريس بالتعاون الشرق أوسطي وتحدث في مؤلفه الشرق الأوسط الجديد عن اعادة رسم خريطة منطقة الشرق الأوسط بشكل مختلف عن النظام الاقليمي العربي الحالي بحيث تصبح اسرائيل المهيمنة فعليا على المقدرات والموارد الاقتصادية العربية. ـ الافتراض الثالث: أن الدول العربية وفي ظل التوجهات السلامية اعتقدت اسرائيل أنها تراجعت عن فكرة التوحد العربي التي أينعت في ظل أي احتقان للصراع العربي الاسرائيلي.. ومن هنا في ظل اختفاء أو خفوت هذه الفكرة يصبح التعامل الاسرائيلي مع الجانب العربي أكثر سهولة عن ذي قبل. ـ الافتراض الرابع: استغلت اسرائيل الأوضاع الناجمة عن التناقضات العربية ـ العربية وحالة التشرذم التي وقعت فيها الأمة والتي سادت في عقدي السبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين للحديث عن إمكانية تطوير آليات للتعاون العربي الاسرائيلي خاصة في المجالات الاقتصادية والتقنية ولهذا كان واضحا أمام صانع القرار في السياسة الاسرائيلية أن أي تقارب عربي في أي مستوى ثنائي أو جماعي هو بالطبع ليس في صالح اسرائيل ويتناقض مع محاولات اسرائيل هدم النظام الاقليمي العربي. ولكن الأحداث الأخيرة التي شهدتها المنطقة منذ نحو عامين والتي قادت الى وصول المسيرة السلامية بعد تعثرها على طريق مسدود نتيجة الصلف والتعنت الاسرائيليين وما تلا ذلك من اندلاع انتفاضة الأقصى المباركة وتولي حكومة الليكود دفة الحكم في اسرائيل برئاسة آرييل شارون والتي كشفت عن الوجه السافر للسياسة الاسرائيلية القائمة على العدوان والعنصرية وكراهية العرب وترجمت فيما شهدته المناطق الفلسطينية هذا العام من مذابح وحشية واجتياحات عسكرية وحصار مهين لرموز العمل الوطني الفلسطيني. نقول.. إن هذه الأحداث والتطورات كان لها جانب ايجابي رغم ما حملته في طياتها من مآس إنسانية، وهو أنها أعادت للذاكرة العربية ما حاولت نسيانه أو تناسيه في فترة من الفترات أن اسرائيل كانت وستظل دولة عنصرية قائمة على مبدأ التوسع الأفقي «الجغرافي» والتوسع الرأسي «الجيوبوليتيكي» الذي يستهدف استغلال الموارد العربية وصولا الى هدم النظام الاقليمي العربي الحالي واقامة نظام اقليمي جديد أحد أهم خصائصه التنكر للعروبة ويستند الى أسس يضعها الفكر الصهيوني ظاهرها الرحمة وباطنها العذاب! خلاصة القول.. أن ما يحدث حاليا في فلسطين من عدوان وما يشهده الشارع العربي من يقظة حافز يشحذ الهمة العربية لعل وعسى نفيق قبل وصول اسرائيل الى مقاصدها لا قدر الله!! ـ كاتب واعلامي مصري