إن من المستحيل الإعراب أو الافصاح الكامل عن المعنى. هذه الاستحالة كائنة لدى البشر في كل القارات الذين ينطقون بكل اللغات الفصحى والعامية، واللغات الأكثر تطوراً والأقل تطوراً. واللغات تختلف بعضها عن بعض في مدى تطورها، ويمكن ان يتجلى هذا التطور في الأداء الوظيفي الأدق للغة. هذا الأداء يتجلى في نشوء آلات الأداء الوظيفي. ومن الأمثلة على الأداء الوظيفي الأدق الذي تؤديه اللغة العربية استعمال اسم الاشارة للمؤنث والمذكر للمفرد والمثنى وصيغة محددة لحالة الرفع ولحالتي النصب والجر لاسم الاشارة في حالة المثنى. نقول هذا وهذه وهذان وهذين وهاتان وهاتين. وينطبق ذلك على آلات أخرى من آلات الضبط اللغوي من قبيل الاسم الموصول والضمير المتصل والضمير المنفصل. وآلات الضبط اللغوي هذه الكائنة في اللغة العربية غير موجودة في كثير من اللغات الأخرى، وإن وجدت هذه الآلات في بعض اللغات فهي لم تبلغ في تطورها المدى الذي بلغته في اللغة العربية. وعلى الرغم من حصول هذا التطور فإن من المستحيل الإعراب التام عن المعنى. ويختلف الناس بعضهم عن بعض في مدى معرفتهم للغة وقواعدها وفي مدى حدتهم الفكرية ومدى وعيهم بالبيئتين الاجتماعية والطبيعية اللتين يعيشون في كنفهما، وفي هوية الأسلوب الكتابي أو الكلامي الذي يستعملونه. وعلى الرغم من هذه الاختلافات فإن البشر لا يزالون يعانون من هذه الاستحالة. ويختلف البشر أيضاً بعضهم عن بعض في درجة وعيهم بوجود هذه الاستحالة: منهم من لديهم وعي أكبر ومنهم من لديهم وعي أقل بها. قد يدبج كاتب مقالاً وقد ينظم شاعر قصيدة أو قطعة شعرية وقد يضع مؤلف كتاباً، يصفها الناس بصفات البلاغة والدقة والرصانة وجيشان العاطفة والشعور وتدفق المعنى. وقد تستحق هذه النتاجات هذه الأوصاف. وحتى لو استحقت هذه الأوصاف فإن الكاتب والشاعر والمؤلف لم يكونوا قد بلغوا، بسبب استحالة الإعراب الكامل عن المعنى، أقصى ما كان يمكن بلوغه. وأيضاً بسبب هذه الاستحالة لا يبلغ إفصاح الكتابات الفلسفية والعلمية والأدبية أقصى ما يمكن بلوغه، رغم احتمال ان تكون كتابات ذلك الفيلسوف أو العالم أو الأديب قد بلغت حداً بعيداً من قوة الافصاح. والسبب في هذه الاستحالة هو كون العقل البشري محدوداً، وبالتالي محدودية اعراب اللغة عن المضامين. فاللغة نتاج العقل. فلكون العقل محدودا تأتي الكلمات المكتوبة أو الشفوية محدودة في اعرابها عن المضامين. وبالنظر الى استحالة اعراب اللغة التام عن المعنى فإن من المستحيل تحقيق الفهم التام لمجريات التاريخ، وللتاريخ الفعلي للظواهر الاجتماعية بالمعنى الأعم للعبارة، أي الظواهر التاريخية والثقافية والاقتصادية والنفسية والسياسية، كما أن من المستحيل تحقيق المعرفة الدقيقة لبدايات ونهايات الأشياء. ومن هنا ينبغي توخي الحذر الشديد عند قراءة مصطلحات من قبيل «التحقيب» و«التاريخية»، ومن قبول مصطلحات من قبيل «الكلاسيكية» أو «الرومانتيكية». فالتحقيب يتضمن معرفة بداية ونهاية ويتضمن تحقيق فهم تام للتاريخ أو الواقع. والمصطلحان «الكلاسيكية» و«الرومانتيكية» أسهمت في نشوئهما اسهاماً كبيراً عمليات تحقيبية مشكوك في صحتها. هذه المصطلحات تضم حقائق وتلفيقات وخيالات وأوهاماً. وهناك تاريخان: التاريخ المتعارف عليه الناقص، والتاريخ الحقيقي الذي لم يكتشف والذي يصعب اكتشافه، لأن من الصعوبة البالغة أحياناً كثيرة معرفة ما حصل وكيف حصل. ولمعرفة ما حصل وكيف حصل يجب تفكيك كل ما يتعلق بـ «ما» هذه وبـ «كيف» هذه. وعلى الرغم من ان التفكيك طريقة توصلنا الى قدر أكبر من المعرفة فإن عليه قيوداً أيضاً، وتلك القيود هي عدم موضوعية الفكر البشري ونقصه ونقص العقل البشري. ولذلك حتى لو تم اللجوء الى التفكيك في اعادة كتابة التاريخ فإنه ليس من المضمون ان تفضي تلك الاعادة الى المعرفة التامة لما حدث ولكيفية حدوثه. غير ان من الأكيد ان تلك الاعادة عن طريق التفكيك من شأنها ان تؤتي معرفة أكبر بالتاريخ وبالواقع. ـ استاذ الدراسات الشرق اوسطية ـ الولايات المتحدة