تبدي الولايات المتحدة الأميركية اهتماما بالمنطقة العربية ومستقبلها، تغلب عليه روح جديدة وأفكار مختلفة تكرست بوضوح بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وقد حفل الشهران الماضيان بمؤشرات شديدة الخطورة تنبئ بعواصف عاتية قد تقتلع الكثير من الحقائق التي تبدو مستقرة في الواقع العربي. وقبل هذين الشهرين الذين افتتحهما بوش بتصريح في أكاديمية ويست بوينت العسكرية الأميركية أكد فيه أن الشعوب العربية والإسلامية لا يجوز أن تبقى بعد الآن محرومة من الديمقراطية، صدر تقرير أثار جدلا كبيرا عن الرؤية الأميركية لمستقبل المنطقة حتى عام 2015. وتوالت النذر، غير أن أخطرها كان قبل أيام حيث جرت في ولاية فرجينيا الأميركية أكبر مناورات عسكرية تجرى على أراضي الولايات المتحدة في تاريخها، وهي مناورات اشترك فيها ما يزيد قليلا عن ثلاثة عشر ألف جندي أميركي تدربوا على مواجهة احتمال وقوع انقلاب عسكري في دولة شرق أوسطية!! إعادة رسم الخريطة وتعد البداية الحقيقية للموقف الأميركي الجديد رغبتها في تغيير النظام العراقي بالقوة، وتشكل العراق، من منظور الولايات المتحدة، مفتاحا مناسبا من كل زوايا التقييم، فنظامها السياسي الأكثر استبدادا في المنطقة، وما زال ملف عدوانه على الكويت يمثل مبررا يمكن تسويقه دوليا وإقليميا على السواء، وهي فوق ذلك تقع في أحد أطراف الخارطة العريبة، ولا تقع على حدود الكيان الصهيوني، وبالتالي لا تستطيع تهديد أمن الكيان الصهيوني تهديدا جديا بوصفه «مغامرة أخيرة». وقد صدر عن الرئيس الأميركي في الرابع والعشرين من يونيو الماضي بيان وصف بأنه «محاولة لأفغنة المنطقة العربية»، وتأتي أهميته من أنه أول خطاب مباشر يوجهه بوش للمجتمع العربي، وقد تضمن تأكيدا على ضرورة إصلاح الأنظمة السياسية في المنطقة العربية، وضمن ذلك بعض حلفاء الولايات المتحدة التقليديون الذين ترى أن دورهم السياسي انتهى ولم يعودوا قادرين على الاستجابة لمتغيرات المرحلة بعد الحادي عشر من سبتمبر. وفي السياق نفسه، وقبل أن ينتهي شهر يوليو بأيام قليلة كان أعضاء لجنة العلاقات الدولية في مجلس النواب الأميركي يناقشون إعلان مشروع لتنمية الشرق الأوسط على غرار «مشروع مارشال» الذي نفذته الولايات المتحدة في أعقاب الحرب العالمية الثانية وتم من خلاله إعادة بناء أوروبا بعد الحرب. وغلبت على مناقشات اللجنة حسب تعبير رئيسها هنري هايد فكرة أن الناس الذين لديهم أمل بحياة أفضل من الناحية الاقتصادية لا يلجأون إلى العنف، وأنهم عندما تكون لهم مصلحة في مستقبلهم الاقتصادي، فإنهم لا يتخندقون خلف نظريات عقائدية متطرفة !! ، وربط هايد بوضوح بين أفكاره بشأن مشروع مارشال للشرق الأوسط وبيان بوش الأخير. ورغم أن الفكرة براجماتية محض تنكر الدوافع الأخلاقية والأيدلوجية فإنها تتمتع بإغراء كبير وبخاصة في البلدان العربية التي أنهكها الفقر والتخلف بدرجة كبيرة. إصلاح أم تمكين ؟ وقد تراوحت درجة انتقاد الأنظمة العربية من عضو لآخر، كما لم تغب قضية «مكافحة الإرهاب «كهدف للمشروع، فعضو الأقلية البارز في اللجنة، توم لانتوس، اعتبر أن المساعدة الاقتصادية يمكن أن تكون سلاحا قويا لمكافحة «الإرهاب» ، وأكد ثقته في أن عالما عربيا منفتحا، وديمقراطيا مقدر له أن يزدهر بمساعدة هذا المشروع. وقد شهد أمام اللجنة السناتور السابق جورج ميتشل صاحب التقرير الشهير، وطالب نواب عديدون بأن يرتبط المشروع بتحرك نحو الديمقراطية عبر إصلاحات اجتماعية واقتصادية. ومن يقارن هذا الخطاب الأميركي عن المنطقة العربية بالخطاب الأميركي الرسمي خلال عقود مضت يدرك عمق التغيير، فهذا الخطاب كان يركز فيما يخص العالم العربي على «الاستقرار» كهدف رئيس دون دعوة جادة لتغيير ديمقراطي في المنطقة العربية. وقد دعا أحد أعضاء لجنة العلاقات الدولية إلى أن يركز المشروع - بشكل أساسي - على الحرية الدينية والتعددية السياسية، و «وأولئك الأشخاص في الشرق الأوسط» الذين كافحوا من أجل الديمقراطية، ومن أجل التسامح الديني، ومن أجل حقوق الإنسان، ومن أجل حقوق المرأة، والسعي وراء السلام والعدالة الاجتماعية. فهؤلاء يجب أن يعطوا الدعم الذي يحتاجونه ويستحقونه. ويجب ألا يكونوا مضطرين لأن يعيشوا في ظل «أنظمة قمعية وشبكات إرهابية هي حتى أكثر قمعية». يجب أن نضمن بأنهم يعطون الصوت الذي يستحقونه، ويجب أن نزود تلك المجتمعات بالأدوات اللازمة لكي تصلح نفسها اجتماعيا. وما تشير إليه المناقشات يعني أن المشروع يتأرجح بين فرض أجندة إصلاح غربية كاملة ملزمة، وبين وضع الشعوب المعنية بالمشروع على أول الطريق لتتولى عملية إصلاح تراعي الخصوصيات. كما أن المناقشات تشير بوضوح إلى دور فاعل للنخب الثقافية المحلية في عملية التغيير وإلى ضرورة تقديم الدعم لهذه النخب، وهو ما يعني إعادة فتح ملفات منظمات المجتمع المدني وما تدعو إليه وما تنتهجه من أساليب عمل في مقدمتها التمويل والعلاقة مع الغرب. وداعا للانقلابات وفي إشارة شديدة الخطورة أشرنا إليها في بداية المقال أعلن وزير الدفاع الأميركي دونالد رامسفيلد «الأهرام» القاهرية (31/7/2002) أن المناورات العسكرية الجارية في ولاية فرجينيا تهدف لمعرفة مدى استعداد القوات الأميركية لمواجهة تحديات القرن الحادي والعشرين. أما البيان الوافي فجاء على لسان مسئول عسكري أميركي قال إن وحدات من الجيش والبحرية والقوات الجوية ومشاة البحرية بدأت مناورات واسعة النطاق للتدريب على سيناريو افتراضي لمواجهة «انقلاب عسكري في إحدى دول الشرق الأوسط». وقد تمت هذه المناورات التي أطلق عليها اسم «تحدي الألفية» بناء على معلومات عن وجود تهديد عسكري حقيقي في «دولة ما» تملك واشنطن معلومات تفصيلية عن أوضاعها العسكرية، ورفض المسئولون الإفصاح عن اسمها!! وإذا صحت هذه المعلومات فإن مقتضى ذلك أن تكون التحولات المدنية هي وحدها التي سيسمح بها في الشرق الأوسط، وأن درجة رغبة الولايات المتحدة، بل استعدادها للتدخل في العالم العربي عسكريا تتجاوز الملف العراقي. كما أن من النتائج التي ستترتب على الموقف الأميركي الجديد أن قضية مشروعية الأنظمة الحاكمة - وبخاصة العسكرية منها - ستحتل واجهة المشهد العربي الجديد، وقد تصبح أحد المعايير التي تحكم علاقة الولايات المتحدة بدول المنطقة. ورغم أن مثل هذا التدخل من جانب الولايات المتحدة يفتقر للمشروعية في إطار القانون الدولي، لكنه سيضع خطا أحمر أمام مغامرات بعض رجال المؤسسات العسكرية العربية، وسيكون نوعا من الردع قد يمنع حدوث مثل هذا الانقلاب ابتداء. وفي كل الأحوال، فإن الأمر غير منفصل عن الصراع العربي الصهيوني، لكن الديمقراطية مطلب النخبة الثقافية العربية منذ عقود، وبعض الأنظمة السياسية العربية لم تعد قادرة على إدارة تحول ديمقراطي بسبب بنيتها، في عالم أصبح الأقوياء فيه على قناعة بأن الحاكم الذي لا يحترم حقوق شعبه مرشح لأن يفعل الشيء نفسه مع جيرانه، وبالتالي يكون مصدرا محتملا لاضطرابات إقليمية في بقعة يمكن أن يؤدي غياب الاستقرار فيها إلى نتائج شديدة الخطورة عالميا. وبعض الأفكار تعد مناقشة مدلولاتها ومخاطرها أجدى بكثير من شجبها، إذا كان الشجب مجديا أصلا!! ـ كاتب مصري