أيّة صفةٍ هذه يمكن إطلاقها على واقع الحال الراهن في المنطقة العربية؟ انقسام.. عجز.. جمود.. أم تخاذل؟ ربّما تصحّ كلّ واحدة من هذه الصفات، لكن الأكثر تعبيراً الآن عن واقع حال أمّة العرب هو أنها أمة مستباحة. فما يحدث في قلبها وعلى أطرافها هو حالة الاستباحة بكلّ معانيها وصورَها. أن تستخدم إسرائيل طائرات F16 ضدّ منازل المدنيين في غزة، ولا يتحرك العالم ولا تختلّ الحسابات السياسية في المنطقة، لهو دلالة على استباحة إسرائيل المستمرّة لأرض فلسطين ولشعب فلسطين.. وعلامَ ترتدع إسرائيل ما دامت ممارساتها العدوانية المتواصلة منذ أشهرٍ في الضفة وغزة لم تواجَه لا بردعٍ سياسي دولي ولا بردعٍ عسكري عربيّ؟ ولِمَ تتراجع إسرائيل عن استخدام أشدّ أنواع القوة العسكرية طالما أن الشارع العربي نفسه قد خمد، والحكومات العربية مشغولة بنفسها وبمحاولة تطويق النيران المشتعلة حولها؟! أيّ جبروتٍ هذا الذي تمارسه واشنطن على العالم اليوم؟ ممنوعٌ على مجلس الأمن حتى حقّ الإدانة اللفظية لمجازر إسرائيل في جنين وغزة وغيرهما، فكيف بحق الردّ الفلسطيني على هذه المجازر؟ أيّ منطقٍ هذا الذي يعطي لواشنطن حقّ التهديد بإرسال مئات الألوف من الجنود الأميركيين لتغيير نظامٍ في العراق منع سقوطه بالإرادة الشعبية العراقية عقب حرب الخليج، ولا يعطي هذا المنطق نفسه الحق للفلسطينيين بالمقاومة من أجل تحرير أرضهم المحتلة؟ أيّ قوًى كبرى في العالم ترضى لنفسها أن تكون ظلاً صغيراً للسياسة الأميركية الراهنة في الشرق الأوسط؟ وإنْ ردّ البعض هذا الأمر إلى خصوصيّات صُناع القرار في الدول الكبرى ومن منطلق مصالحها الخاصّة، فكيف يرضى الوضع العربي بأن يكون هو أيضاً في خانة المسهلين لهذه السياسة الأميركية.. وهي السياسة التي تمنع مواجهة الآلة العسكرية الإسرائيلية أو حتى ممارسة الضغط للحدّ من استخدامها، وتريد في الوقت عينه استخدام الآلة العسكرية الأميركية في الخليج، دون أيّ مبرّرٍ قانوني دولي لذلك، وبمواجهة كافة الرافضين، دولياً وإقليمياً وعربياً، لهذا الأسلوب العسكري من أجل تغيير الحكومات؟! طالما أنَ الانقلابات العسكرية الداخلية من أجل تغيير حكومات هي مرفوضة الآن في العالم ككلّ، فأي نظامٍ ديمقراطي هذا يمكن أن يستتب حصيلة عدوانٍ عسكري خارجي؟ تُرى، لو لم تستبح جيوش دول عربية سلطات أوطانها أولاً ثم حقوق دول عربية أخرى، ولو لم تستبح حكومات عربية حقوق مواطينها، هل كانت الأمة العربية تصل إلى هذا الحد من الضعف والعجز والانقسام والاستباحة من الخارج؟ يبدو أن أمة العرب تعيش إحدى حالتين، وكلاهما توصل إلى الأخرى: حالة المنطقة بوضعها ما بعد الحرب العالمية الأولى حيث خطت مساطر سايكس (الإنجليزي) وبيكو (الفرنسي) ما نحن عليه من حدودٍ جغرافية للدول العربية، كما مهدت لهجرة اليهود إلى فلسطين وبدء المشروع الصهيوني على الأرض العربية.. والحالة الثانية، هي وضع المنطقة العربية ما بعد الحرب العالمية الثانية، وبعد ولادة دولة إسرائيل في ظل متغيّراتٍ دولية أفرزتها نتائج هذه الحرب وانتصار أميركا وحلفائها في العالم، واستخدام السلاح النووي لأول مرةٍ في تاريخ البشرية.. لكنْ لا الحالة الأولى بعد الحرب العالمية الأولى، ولا الحالة الثانية بعد الحرب العالمية الثانية في القرن الماضي منعتا من حدوت ثوراتٍ وانتفاضاتٍ شعبيةٍ عربية ضد الاحتلال والتسلّط الأجنبي والسلطات المتعاونة معه، رغم ما أصاب بعض هذه الثورات والانتفاضات من انتكاساتٍ وتعثّر وأخطاء حيناً ووأدٍ خارجي في حينٍ آخر. أن يكون العرب الآن أمة مستباحة لحينٍ من الزمن، فهذا مردّه لضعفٍ وعطبِ في الداخل ولجبروت الخارج. لكن عدم علاج الضعف وإصلاح العطب سيهدد هذه الأمة بالتحول إلى أمةٍ يائسةٍ في آمالها ومستقبلها ويابسةٍ في حاضرها وفي طاقاتها.