رغم أن آخر الاستطلاعات الأميركية التي نشرت في شهر يوليو الماضي تؤكد أن وزير الخارجية الأميركي كولن باول يحظى بشعبية تفوق شعبية الرئيس الأميركي جورج بوش نفسه، حيث حصل في استطلاعات الرأي على نسبة تأييد وصلت الى 85% مقابل 72% فقط للرئيس، الا ان السؤال الأساسي الذي أصبح يطرح على باول في كل مؤتمراته الصحافية، هو عن حقيقة استعداداته للاستقالة ومغادرة الادارة الأميركية بعد الانتخابات التشريعية المقررة في نوفمبر المقبل. فالرجل الذي قضى ما يقرب من عشرين شهراً في منصبه حتى الآن، بدأ يشعر بعزلة شديدة داخل الادارة التي اصبح يسيطر عليها التكتل اليميني المتطرف في الولايات المتحدة، والذي من ابرز قادته ديك تشيني نائب الرئيس ودونالد رامسفيلد وزير الدفاع، وكوندوليزا رايس مستشارة الأمن القومي، وجون أشكروفت وزير العدل، وكارل روف المستشار السياسي الأكثر قرباً من بوش، وريتشارد بيرل الذي يوصف بأنه زعيم الليكود الصهيوني في الولايات المتحدة وهو كان وكيلاً لوزارة الدفاع وأصبح الآن مستشاراً لها بعدما صعد مكانه دون زاكيم أحد أجنحة اللوبي الليكودي في الاداة الاميركية، علاوة على بول وولفويتز نائب وزير الدفاع الذي يتولى الآن ملف تنفيذ المخطط الأميركي ضد العراق. وسط هذه العصابة التي تعزف على وتر واحد هو وتر الانحياز الكامل لإسرائيل ومصالحها، وليذهب الشعب الأميركي الى الجحيم، وجد باول نفسه يعزف وحيداً بعيداً عنهم في الوقت الذي يحتل فيه فعلياً المنصب التالي للرئيس من حيث الأهمية، حسب العرف الأميركي الشائع عالمياً منذ الحرب العالمية الثانية وحتى الآن. لكن إذا راقبنا المهام الخارجية للولايات المتحدة خلال الفترة التي قضاها الرجل في منصبه، نجد ان رامسفيلد وزير الدفاع ونائبه وولفويتز وكوندوليزا رايس وجورج تينيت رئيس وكالة المخابرات المركزية الأميركية، ربما كانت تحركاتهم الخارجية أكثر منه. الأكثر من ذلك ان معظم مقترحات باول لم تعد تحظى بأي اهتمام من بوش الذي يوجه الآن وبشكل كامل من فريق عمل في وزارة الدفاع أصبح هو الذي يرسم السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية، ويكتب تقارير يومية للرئيس حول التصور الأميركي للقضايا الدولية تتولى كوندوليزا رايس مستشارة الرئيس للأمن القومي تقديمها للرئيس، ولأن الرئيس كما يعلم الجميع ضعيف في إلمامه بالسياسة الخارجية فأصبحت هذه التقارير هي التي توجهه بشكل مباشر. أما وزارة الخارجية فقد تم تهميش تقاريرها وتوصياتها، حتى ان باول تلقي صفعتين متتاليتين خلال الأسابيع الأخيرة، أبرزها كان في خطاب الرئيس بوس الذي ألقاه في يونيو الماضي حول الرؤية الأميركية لحل القضية الفلسطينية، حيث تبنى توجهاً مضاداً لتوجه باول الذي كان يرى أن الحل يجب أن يكون من خلال عرفات إلا ان الرئيس طالب بتنحية عرفات، مما دفع مسئولين في الخارجية الأميركية إلى أن يدلوا بتصريحات صحافية عبروا فيها عن ذهولهم حينما كانوا يستمعون الى خطاب بوش الذي تبنى موقفاً مختلفاً عما اقترحوه بشأن حل الأزمة، وقد عبرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية في عددها الصادر في الثلاثين من يوليو الماضي عن ذلك مشيرة الى ان ملف القضية الفلسطينية قد سحب من الخارجية الأميركية، وشبهت باول بشيمون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي، حتى انها قالت ان «نكتة الأسبوع في واشنطن ان كولن باول وشيمون بيريز وصلا الى المرحلة النهائية في المنافسة على لقب وزير الخارجية الأقل علاقة في العالم». وقد أشارت صحيفة «يو.إس.تودي» الأميركية في عددها الصادر في اليوم التالي 31 يونيو الى ان «قرار بوش بالمطالبة بإقصاء ياسر عرفات عن رئاسة السلطة الفلسطينية جاء إضعافاً لمكانة باول الذي كان قد قال قبل ذلك بأسبوعين في مقابلة صحافية «إنه لا يوافق على موقف ارييل شارون رئيس الوزراء الاسرائيلي الذي يرفض الاعتراف بعرفات كقائد للشعب الفلسطيني». ورغم ان مراقبين يؤكدون ان باول شخص ليس سريع الاستسلام، إلا أن آخرين يؤكدون أن باول في طريقه فعلاً للخروج من الإدارة الأميركية، حتى يستعد لمعركة أخرى أو يتوارى تماماً عن الأنظار. ففي العام 99 كان الكثير من الأميركيين على قناعة بأن باول يمكن أن يكون مرشحاً جمهورياً جيداً لرئاسة الولايات المتحدة، إلا أن باول سحب نفسه في مرحلة التنافس الأولى، ولعل المعاملة السيئة التي تعرض لها على يد تلك الإدارة الآن ونسبة التصويت الكبرى التي حاز عليها في استطلاعات الرأي والتي تفوق نسبة الرئيس بكثير، ربما تدفعه الى الانسحاب الآن والتفكير جدياً بأن يخطو الخطوة التي لم يخطها عام 99، وهي الترشح على مقعد الرئاسة في الولايات المتحدة الأمريكية. والسؤال الذي يتردد الآن: ما الذي سوف يقرره باول في أيامه المقبلة في الخارجية التي يمكن أن تكون هي الأيام الأخيرة؟! ـ كاتب وإعلامي مصري