أثارت تكنولوجيا الانترنت ضجة كبيرة في الأوساط الإعلامية كسابقاتها من الاكتشافات الجديدة في الميدان الاتصالي والمعلوماتي، فالراديو على سبيل المثال أزعج الصحافة، والتلفزيون بدوره أقلق الإذاعة والفيديو أثار مخاوف كبيرة بالنسبة للتلفزيون، وفي نهاية الأمر حافظت كل وسيلة على شخصيتها وقوتها وشعبيتها. لكن ثورة الانترنت هذه المرة تختلف عن سابقاتها، حيث إنها تجمع بين تكنولوجيات مختلفة استطاعت ان تتخطى الحواجز الجغرافية والزمنية، ونستطيع القول حتى اللغوية، حيث أصبحت اللغة الانجليزية هي لغة الاتصال والتواصل والعلم في نهاية هذا القرن.. ما يميز الانترنت عن باقي تكنولوجيات الاتصال والمعلومات هو اعتماد الشخص على نفسه للوصول الى مصادر المعلومة، كما تتطلب التكنولوجيا الجديدة تفاعل مستخدمها معها، فالاستعمال هذا يقوم على أساس التفاعل والمشاركة من قبل المستعمل وهذا على عكس الوسائل السابقة التي يكون فيها المستهلك مُسْتَقْبِلاً فقط. نظراً للميزات التي ينفرد بها، أثارت الانترنت نقاشاً وحواراً كبيرين في الأوساط الإعلامية والعلمية والأخلاقية. ففي الأوساط الإعلامية رأى المتخوفون من الانترنت انه سينافس الوسائل الإعلامية المختلفة ويقضي عليها مع مرور الزمن، وسيتوجه الجمهور الى الانترنت للحصول على الأخبار والمعلومات والإعلانات ومصادر المعرفة المختلفة متخلياً وتاركاً الوسائل الأخرى. في الميدان الأخلاقي وصل الجدال الى ذروته فيما يتعلق بمحتوى الرسائل الإعلامية الهابطة والتي لا تمت بأية صلة للأخلاق والآداب العامة. ومن الانتقادات العديدة التي وجهت للانترنت كذلك كونها الوسيلة الإعلامية والمعلوماتية العالمية التابعة والناطقة باسم الامبريالية الثقافية الأميركية، حيث نلاحظ سيطرة تكاد تكون كاملة للثقافة الأنجلوساكسونية على الشبكة. في الصناعة الإعلامية يرى أنجيلو أغوستيني ان الانترنت قد أحدثت ثورة عارمة في عالم الصحافة، حيث ان غالبية الصحف العالمية لجأت لحجز موقع في الشبكة وتقديم الجريدة الى القراء عبر الانترنت، وهذه التقنية الجديدة تحتم بطبيعة الحال على الجرائد ضرورة الابداع والابتكار والخروج عن المألوف وتجنب الكلاسيكي والروتيني والتقليدي. هذا يعني أن الانترنت فرضت منطقاً جديداً غيّر في العمق ميدان صناعة الأخبار وتبادلها. وللعلم فإن شبكة الانترنت تحتوي على أكثر من 1500 صفحة جريدة من مختلف أنحاء العالم، وأن الشبكة متوفرة في أكثر من 170 دولة وتشمل أكثر من 60 مليون مستعمل عبر العالم. هذا يعني انه بالنسبة للصحافة هناك فوائد كثيرة تنعم بها من الانترنت. فبالنسبة للمتخوفين من الانترنت يجب عليهم الرجوع للتاريخ لمعرفة ان الابتكارات الجديدة في تكنولوجيا وسائل الاعلام لم تقض على سابقاتها، لكن الشيء الذي أحدثته هو التغيير في أنماط الانتاج وفي الوسائل. هذه التطورات أثرت في المهنة وفي ثقافتها، بدون القضاء على الصحافة أو على الوسائل الإعلامية الأخرى. ولذلك فالسؤال الذي يطرحه العام والخاص هو: هل ستكون الانترنت مكملة ومفيدة للصحافة أم ستكون مهددة ومنافسة؟ المعطيات تقول ان الانترنت تكنولوجيا جديدة للمعلومات ستفيد اكثر مما تضر بالصحافة. فشبكة الانترنت هي مصدر مهم من مصادر الأخبار والمعلومات والعلم والمعرفة بالنسبة للصحافة، ومن خلال الشبكة يستطيع الصحافي ان يدخل في اتصال مع «مجموعات المناقشات» وغيرهم من مستعملي الشبكة للحصول على معلومات أو معطيات علمية أو بيانات أو غير ذلك. وهذا يعني ان القائم بالاتصال أصبح في متناوله بنك من المعلومات وملايين الأشخاص عبر العالم يستطيع ان يأخذ ويعطي معهم، وهذا لصالح المهنة ولخدمة أحسن وأشمل وأفيد للجمهور. والصحافة الجادة في مطلع القرن الحادي والعشرين أصبحت تهتم أكثر فأكثر بالتحاليل والدراسات والتعليقات الجادة، وتعتبر الانترنت مصدراً ووسيلة مهمة في خدمة هذه الأنواع الصحافية التي تتطلب تعمقاً في التحليل وغزارة في المعلومات وقوة في الاقناع والتأثير. فشبكة الانترنت تحتوي على مئات الصحف والمجلات ومحطات الاذاعة والتلفزيون ووكالات الأنباء، كل هذه الوسائط تعتبر روافد مهمة للمعلومات التي تبحث عنها الصحيفة لتقديمها للجمهور. وتتيح الانترنت الفرصة لقارئ الصحيفة عبر البريد الالكتروني أن يتصل مباشرة بصحيفته المفضلة وأن يحاور الصحافيين ويتناقش معهم في مختلف المواضيع والآراء، وتعتبر هنا الانترنت وسيلة للتقارب بين المرسل والمستقبل، وسيكون هذا الميكانيزم وسيلة رئيسية في ترشيد عملية الاتصال والتواصل بين أفراد المجتمع. كما يتيح الانترنت الفرصة للجريدة ان تقدم نفسها عبر الشبكة لملايين القراء، سواء كان النص ثابتاً أو متحركاً أو سواء كان المحتوى كاملاً أو ملخصاً. وهذا يعني ان فرص التكامل بين الجريدة والانترنت متوفرة لخدمة القراء والمستعملين في نهاية الأمر. والجريدة هنا تستفيد استفادة كبيرة من مختلف الخدمات التي تقدمها الانترنت سواء في استخدام الشبكات كوسيط إعلاني، أو الاطلاع على الاصدارات الجديدة ومختلف الصناعات الثقافية والابتكارات العلمية عبر العالم، ناهيك عن تقارير مراكز الأبحاث والدراسات وتقارير الابتكارات والاكتشافات العلمية ونتائج البحوث في مختلف جامعات العالم. كما تستطيع المؤسسة الصحافية ان تعرض خدماتها المختلفة للجمهور والمؤسسات من خلال شبكة الانترنت. نستنتج إذن ان الانترنت سوف لن تقضي على الصحيفة أو على أية مؤسسة إعلامية أخرى، وإنما ستقدم خدمات جليلة للإعلام وللاتصال ولمختلف المؤسسات الإعلامية، فالعملية هي عملية تكامل أكثر منها عملية تنافس أو القضاء على الآخر. ما هو مطلوب من الصحافة في عصر الانترنت هو التأقلم مع الظروف الجديدة وتعلم العيش مع الوسائط الإعلامية المختلفة. وهذا يعني بعبارة أخرى ان الصحافة في السنوات المقبلة مطالبة أكثر من أي وقت مضى بالاهتمام بالرسالة التي تقدمها للجمهور وبتوفير خدمة اعلامية مميزة حتى تحافظ على جمهورها وعلى محبيها، حيث إنه اذا وقع العكس فالقاريء أمامه خيارات عدة ومن أهمها الانترنت. الانترنت والعولمة التساؤل الذي يجب أن نقف عنده هنا هو هل تتوفر لدى الجميع امكانية الحصول على جهاز كمبيوتر وخط هاتفي ومبلغ مالي للاستفادة من خدمات الانترنت؟ ولو فرضنا ان الجميع ينعم بخدمة الانترنت، هل ما يقدم في الانترنت محايد وعلمي ويخدم الجميع بالدرجة نفسها؟ فبالنسبة للتساؤل الأول وبالنسبة لدول الجنوب أو الدول النامية فالمشكل مطروح بحدة، حيث إن في العديد من هذه الدول يعاني الفرد الكثير في تدبير رغيفه اليومي فما بالك بالانترنت! ففي هذه الدول مقولة ان الانترنت ستنشر الديمقراطية وتعمل على تطوير المشاركة السياسية أمر ما زال بعيد المنال. فقد تستفيد الدول النامية على الصعيد المؤسساتي من خدمات الانترنت، أما على الصعيد الخاص والفردي فالنخبة البرجوازية والنخبة المثقفة القليلة هي وحدها التي تستفيد من التكنولوجيا الجديدة، وهذا يعني ان الانترنت ستعمق الهوة بين الذي يملك والذي لا يملك. وبالنسبة لمحتوى الانترنت فالأمر لا يخرج عن القاعدة، فصاحب التكنولوجيا وصاحب الصناعة الثقافية يفرض وجوده وسلطته على الوسيلة التي اخترعها وسيطر عليها. فالانترنت شئنا أم أبينا اختراع أميركي غير بريء ويعمل على خدمة الأقوى والأكثر امكانيات مادياً وفكرياً ومعنوياً. فالحلم إذن بأن الانترنت هي مفتاح لحل العديد من المشاكل وتوطيد الممارسات الديمقراطية في المجتمعات النامية ما زال بعيد المنال. ما حدث وما يحدث على مستوى المعلومات على الصعيد الدولي هو سرعة وغزارة المعلومات بدرجة كبيرة جداً لا يستطيع ان يتصورها العقل البشري، كما انه من الناحية البيولوجية لا يستطيع ان يتحكم في الكم الهائل من المعلومات المتوفر لديه، وقد يؤدي هذا الخلل والتناقض الكبير الى عدم التفرقة بين ما هو مهم وما هو غير مهم، ماذا يجب أن نقدم للآخرين، وما هو مفيد وما هو غير مفيد. كل هذا يعني ان الإنسان أصبح يهتم بالسرعة وبالكم وأصبح يتفنن ويبدع في التكنولوجيا على حساب الاهتمام بنوعية المعلومات. نستنتج من كل ما تقدم ان الانترنت وتكنولوجيا الاتصال والعولمة الاقتصادية أمور تصب في إناء واحد وهو التوجه نحو القضاء على التعددية والاختلاف الثقافي، أو كما يسميها ولفجانج ساكس «التبخر الثقافي» أو «الانجراف الثقافي»، والتوجه نحو العولمة الثقافية التي تؤمن بنظام قيمي موحد على المستوى العالمي. هذه الآليات بطبيعة الحال ليست بريئة وإنما تخدم من يملك القوة والجاه والفكر كما أسلفنا سابقاً. فالذي لا يصنع المعرفة ويعتمد على استهلاكها محكوم عليه بالخضوع وبالتبعية. والانترنت ما هي إلا صيغة من صيغ الوسائط التكنولوجية المتطورة التي تنقل الثقافة الفاعلة (التي تقصي الثقافات الأخرى) وتجسد العولمة. هذا لا يعني اننا سنعزل أنفسنا عن العالم أو سنقاطع الانترنت، المطلوب هو محاولة فرض الذات وفرض ثقافتنا عن طريق الالتحام والوئام والتكتل، وعن طريق الانتاج والإبداع والبحث العلمي، وهذه الأمور لا تتأتى إلا بتحرير العقل وبتحرير الفرد العربي. ـ قسم الاتصال ـ جامعة الشارقة