وعظ الناس بالفضيلة مرتقاه صعب ومحمله شديد، فهو يفرض على المتصدي لهذه المهمة أن يتخلق بها، وأن يسبق الناس إلى فعلها، وأن تفيض ممارسته بها. فكيف يليق بأحد أن يتولى الأمر بالفضيلة وهو مجحف في الاستهانة بها ومتماد في الاستئناس باقتراف نقيضها؟ تلك كانت حال الولايات المتحدة الرسمية على امتداد عمرها. تدعو إلى حق تقرير المصير ثم تخضع البلدان بقوة سلاحها لهيمنتها، وتدعو إلى الحرية، ثم تستعبد ملايين من مواطنيها. كما أن أجراس الشفافية التي طالما قرعتها على مدى الأعوام الماضية، أصمت آذان الناس وأشغلتهم عن أفاعيلها. واستظهرت الولايات المتحدة بقوة النمو في اقتصادها حتى تخفي في طياته الكثير من قلة العفاف المستشرية في مؤسساتها. وحينما اهتز النمو واقتحم الكساد أعماق اقتصادها، أطل الناس على فساد متخندق في مؤسساتها، ومعلل في إجراءاتها وقوانينها. وحينما ينظر الباحث في أحوال الفساد في الولايات المتحدة يذهله أن لم يخل منه حيز سياسي، أو قطاع اقتصادي، أو مجال ثقافي أو اجتماعي. وقد اعتاد الناس في الولايات المتحدة على حقيقة أن مؤسساتهم السياسية مثقلة بالفساد، لأن المال يساهم في تقرير من يصل إلى مراكز السلطة، ويحجب عنها من ليس له إلى الشركات الكبرى سبيل. وقد أدى ذلك إلى قعود الناس في بيوتهم أيام الانتخابات، لأنهم باتوا يعتقدون أن لا قيمة لخروجهم، فأي من المرشحين، من المعروض عليهم، يختارون فهو ملك الشركات الكبرى أو أهل الثروة. وقد تصاعدت الدعوة على مدى سنين طويلة لإجراء الإصلاح في نظام التبرعات المالية، لكن رأس المال كان على الدوام عقبة في طريقه أو أداة لتمييعه. وحينما تبدى الفساد خلال الأسابيع الماضية في أبشع صوره وأقبح أشكاله في الشركات الكبرى، بات الشك رفيق الناس في نظرتهم إلى جل مؤسساتهم. وهم في ذلك محقون. فالفساد في الشركات الكبرى لم يكن أمرا فريدا في بعضها، ولا أمرا مقصورا على بعضها. فقد ظهر أنها جميعا، بدرجات متفاوتة، مارست التضليل والخداع، لكن بعضها أجبرتها أوضاعها المالية المتدهورة على كشفها، وبعضها الآخر حمتها قوتها المالية من حفلة التعري. وقد تزامن الكشف عن الفساد في القطاع الاقتصادي، مع كشف لا يقل خطورة عن فساد أكثر إيلاما في قطاع كان أحرى به أن يتعالى على طرق الفساد. فقد كثرت الشكاوى من القطاع الكنسي، لا لأن أفرادا منه خرجوا على المستقيم من الأمور، وإنما لأن المؤسسة نفسها قد تمسكت بمن تعلم أن صلاحها موصول ببتره، فأدخلها في هوة الشكوك. كما كشف مؤخرا الاقتصادي المعروف كروجمان، في مقال معنون «جمهورياتنا الموزية» عن الفساد الذي يضرب أطنابه في كثير من الولايات الأميركية. وكيف أن هذه الولايات التي ينبغي أن تكون مثالا للاستقامة لأنها أداة للعدالة ولغت في بركة فساد الشركات الكبرى، حينما سارت على مثال طرائقها في التضليل والتدليس. وقد أدى ذلك في ولاية نيوجيرسي، مثلا، إلى خسارة دافعي الضرائب بما يعادل 22 ملياراً من الدولارات. لكن الأمر أكثر سوءا في ولايات أخرى من حيث ممارسة الخداع في صناديق التقاعد الذي يشكل قنبلة موقوتة ستتضاءل إزاءه فضائح الشركات الكبرى. لقد أصبحت قيم الشركات الكبرى التي يشكل الربح جوهر وجودها واستمرارها المثال الذي أمست كل المؤسسات الثقافية والسياسية والاجتماعية تنبني عليها وتدور في دائرتها. وحينما يكون المال علّة الوجود تتراجع كل القيم الأخرى إلى مراتب تالية إن لم تتلاش.