نشهد هذه الايام في فرنسا بداية سقوط لشركة «ديناصور» فرنسية عالمية هي شركة «فيفاندي»، والتي وقع لها ما وقع لشقيقتها الاميركية وورلد كوم. فقد طرد مجلس الادارة مديرها السابق ونصف اعضاء مجلس ادارتها وعين مديرا جديدا ولعل القاريء يقول: هذا اصبح خبرا عاديا ان تعلن الشركات الكبرى افلاسها وان ينهار العمالقة من علو شاهق؟ نعم.. لكن الجديد والعجيب ان شركة فيفاندي هي المتصرفة في الطاقة المائية لدولة الجابون الافريقية منذ سنوات، اي من حفر الابار الى مد قنوات التوزيع الى تنقية المياه وذلك حين «اشترت» شركة فيفاندي اسهما في رأسمال شركة الطاقة والماء الجابونية عام 1997، بل اصبحت فيفاندي تملك 51 بالمئة من رأسمال الشركة الجابونية. ومنذ سقوط فيفاندي اصبح الخبراء الجابونيون يعيدون النظر في خصخصة قطاع الماء، وقد قال مونوري بوسمبا مدير الدراسات في وزارة الطاقة الجابونية لصحيفة «لوفيجارو» الفرنسية: «ان خصخصة الطاقة والماء كانت موضة ولم تعد تلبي حاجيات الدول الفقيرة بل اننا نخشى من ضياع سيادة الدولة على موارد الشعب». وقد اصابت عدوى المراجعة والصحوة اغلب خبراء افريقيا فشرعوا يتحدثون عن «استعمار جديد» و«امبريالية على الماء» مثلما وقع من الصحيفة المغربية «ليكونومست» التي نشرت تحقيقا بعنوان: «الماء الافريقي يرفض الفرنسيين»، وكتبت المجلة الباريسية «افريقيا ايكونوميا» تقول من جهتها: «بعد الذهب الاسود.. الشركات العملاقة توجه اجهزتها واموالها للذهب الازرق: الماء مستقبل الانسانية والعنصر الحاسم في ازمات العالم الراهنة.. والقادمة». وبالطبع فان بعض لوبيات اميركية اصبحت تنفخ على هذه النار الهادئة لتزعزع المصالح الفرنسية والاوروبية في افريقيا فتشكلت جمعيات اميركية ظاهرها مناهضة العولمة وباطنها تحريك القوى الافريقية الوطنية ضد احتكار الماء من قبل الشركات الفرنسية وبالطبع كذلك فان فرنسا تواجه هذه الحملات بحملات مضادة من ذلك ان الدولة تساهم مع الشركات في عقد مؤتمر دولي ومعرض عالمي حول الماء منذ عام 2000 وستنظم هذه التظاهرة من 26 فبراير الى 2 مارس 2003 بباريس بقصر المعارض، وسيكون موضوع المؤتمر والمعرض القادمين: «تنقية المياه من اجل استعمالها، وتجدر الاشارة الى ان المملكة المغربية تتعاون في مجال مياهها مع شركة فرنسية معروفة هي «ليونيز» للمياه. ومع تطور هذه المشكلات ظهرت دراسات اكاديمية لتحديد وتحديث قانون دولي للمياه، وقامت مدرسة قانونية فرنسية يديرها برنارد باراكي مدير البحوث في المعهد الوطني الفرنسي للبحوث، وهو يقول ان مياه الامطار والانهار والآبار لا تخضع كلها لنفس القانون، لكنها تشكل كلها تراثا انسانيا تجب المحافظة عليه من اجل خير البشرية كلها، كما يوجه الاستراتيجيون في الغرب عناية فائقة لموضوع الماء كطاقة للحياة اكثر من النفط والغذاء، فيقول جون بيار روبن بأن العالم اليوم ينفق ما بين 70 و80 مليار دولار لتطوير مجال ايجاد المياه وتوزيعها، وسيحتاج العالم في السنوات العشر المقبلة الى ضعف هذه الميزانية لتلبية حاجيات الانسانية من الماء الصالح للشرب وللري.. وان 35 بالمئة من سكان الارض يستهلكون الماء المستخرج والموزع من قبل الدولة ولا يتدخل القطاع الخاص في هذا المجال الا بنسبة 5 بالمئة لكن الشراهة الربحية لدى الشركات الاميركية والاوروبية اصبحت تلاقي اصداء سريعة لدى حسابات هذه الدول لجعل الثروة المائية في البلدان الفقيرة (آسيا وافريقيا) رهينة ارادة سياسية خارجية كالنفط والمعادن والمواد الاولية وحتى المواد الغذائية التي تم تدويلها مثل القهوة وقصب السكر والملح والبهارات والنباتات الصالحة لصناعة الادوية ومواد التجميل.. كل هذه الثروات الطبيعية انزلقت منذ خمسين عاما من ملكية الدول صاحبة الحق الى ملكية الشركات العملاقة المستفيدة من التجارة بها.. الى مونوبول اميركي واوروبي بحراسة صندوق النقد الدولي والبنك العالمي للانشاء والتعمير. ولنأت الى حالنا في العالم العربي لان هذا الموضوع يهمنا بالدرجة الاولى، فأول ملاحظة تقفز الى الذهن هي ان ارضنا غنية بالمياه الجوفية ومياه الانهار والبحيرات والينابيع الجبلية، حتى الجزيرة العربية غنية بهذه الطاقة الثمينة (المناطق الجبلية في المملكة العربية السعودية وسلطنة عمان واليمن على سبيل المثال) الى جانب الانهار الكبرى كالنيل ودجلة والفرات ومجردة والاردن.. تشكل جميعها ضمانات قوية للمصير العربي حيث لايمكن تصور المستقبل بدون سيادتنا على مياهنا لكن الذي ينقص العرب هما امران اساسيان: الاول تخصيص المزيد من الارصدة المالية للبنية التحتية المائية كالسدود والبحيرات الاصطناعية (مثال ذلك ما يتم في ليبيا تحت اسم النهر العظيم وما تم في مصر تحت اسم السد العالي). والثاني هو الارادة السياسية العربية لتنسيق الجهود العربية حتى لايتعرض في الجيل القادم الى ازمات عربية عربية حول توزيع المياه فهناك مشاكل كبرى مطروحة بين سوريا وتركيا وبين الاردن واسرائيل وربما غدا لا قدر الله بين جارين عربيين مثل مصر والسودان او الجزائر والمغرب. ولعل مواجهة هذه القضايا بروح عربية عالية من التعاون والتكنولوجيا والاستثمار، هو العمل المطلوب اليوم عربيا. ـ استاذ في قسم الاعلام ـ جامعة قطر