في خضم الاحتفال بالعيد الخمسيني للثورة المصرية انطلقت كتابات كثيرة تتحدث عن الثورة وآثارها، وتعود بنا الى السنوات الأخيرة من حكم الملك فاروق بن فؤاد الذي طرده الجيش بعد ذلك، وتمعن في وصف التعسف والظلم اللذين أحاقا بطبقات المجتمع المصري، آنئذ، وهي كتابات غنية بالدروس والاشارات والعبر، ولكن هناك اشارة من بينها استوقفتني، ففي الفترة القصيرة السابقة للثورة تقلد الحكم في مصر حزب الوفد (1951)، وقد أطلق الحزب الحريات الصحافية، وأفسح في المجال للنقد. وانعكاساً لهذه الحرية نشر أحمد حسين في صحيفته «مصر الفتاة» صوراً لبعض البؤساء وفوقها عنوان كبير خاطب به الملك بقوله «رعاياك يا سيدي!» في اشارة الى الفقر والعوز اللذين كانت ترزح تحت نيرهما أغلبية الشعب المصري. معظم من تناول الثورة المصرية بالكتابة والنقد الموضوعي، سواء في صعودها أو ابان تعثرها، على مدار تاريخها الذي احتفل بمرور خمسين سنة منه في الأيام القليلة الماضية، يعترف بما قامت به الثورة من انجازات كبرى، فقد حاربت الاستعمار، وسعت الى تحقيق العدل الاجتماعي، وهي الثورة التي مضى على خطاها الكثير من الانقلابات العربية بعد ذلك، وأخذ ببعض برامجها العديد من الدول العربية. ولكن الاجماع أو شبهه يقودنا دائماً، ومن خلال المعلقين العدول، الى استنتاج ان تعطيل برامج الثورة المصرية، وبالتالي العربية، بل ومقتلها قد حصل نتيجة الحرمان من الحريات العامة، وخاصة حرية القول وما يتبعها من استقلال واضح بين السلطات المختلفة، وخاصة القضائية. ولقد انتهى حتى أولئك الأكثر اخلاصاً لأفكار الثورة والذين راجعوا موقفها من الحريات العامة أخيراً الى استنتاج ان «التقتير في الحريات» هو الذي أصاب الثورة في مقتل حقيقي، وهو الذي عطل برامج التنمية لاحقاً في عدة دول عربية اقتدت بما قررته الثورة المصرية في هذا الأمر. السؤال الجوهري واحد من الشهود، وهو الدكتور عبدالعظيم أنيس الذي نشر ما يشبه المذكرات في الأشهر الأخيرة في كتاب الهلال، أعرب عن ذلك الرأي، بوضوح، وكذلك أحد الضباط الأحرار وهو خالد محيي الدين قال بالرأي نفسه في مذكراته المنشورة، كما قال به كثيرون آخرون في معرض تتبعهم لأحداث هذا التطور العربي المهم والمحوري. لفت نظري بشدة مقال للكاتب الكبير حسين احمد أمين في عدد «الهلال» الذهبي للعيد الخمسيني للثورة (يوليو 2002) وكان بعنوان «مصر: نصف قرن من الحصاد الفكري»، ويرى الكاتب ان «الثورة المصرية» قد ضيقت على الفكر والحريات. وبمعنى أكثر تفصيلاً، يأخذ الكاتب على الثورة انها لم تسمح بالنمو للازدهار الفكري الذي كانت مصر مهيأة له في تلك المرحلة، فقد اختفت مجلتا «الرسالة» و«الثقافة» في الأشهر الأولى للثورة، وهو يرى ان الصعود الثقافي لمصر تم في العشرينيات من القرن الماضي. ويعاكس حسين أحمد أمين الفكرة القائلة «ان الصعود والازدهار الثقافي والفكري في بلد أو منطقة له علاقة حتمية بالضرورة بازدهار النظم السياسية والأحوال الاقتصادية»، وقد يكون في هذا الموقف تبرير لما يأخذ به الكاتب من مقولة: ان الثقافة في عصر الثورة كانت أكثر تدنياً وتراجعاً مما كانت عليه قبل ذلك في مصر. ويضرب أمثلة كثيرة بمجتمعات وبلاد أخرى مثل ان الموسيقى والأدب بلغا أوجهما في العهد القيصري في روسيا، وان العصر الذهبي في الأدب الفرنسي تزامن مع عهد الملكية. وربما كان أكثر ما يغفل الارتباط بين تدني الثقافة ونقص الحريات هو تبرير الكاتب لذلك التراجع الثقافي بأنه «نجم عن ظهور الثروة النفطية في بعض الأقطار العربية، وسعى شطر كبير من الفنانين والكتّاب الى خطب ود السلطات في تلك الأقطار كي يستفيدوا مالياً من نشر أعمالهم»، وهو تبرير يتفادى طرح السؤال الحقيقي الذي يبقى مراوحاً في مكانه ينتظر الجواب. إن الاشكالية المطروحة علينا جميعاً، بصرف النظر عن التبريرات، هي: هل للحريات علاقة بالازدهار الفكري والسياسي أم لا؟ وهل يمكن ان تتقدم أمم وهي تكمم أفواه مواطنيها؟ لقد استقر في أغلبية العقول ان الحريات لها علاقة دائمة بازدهار المجتمعات، وفي غيابها يتعطل الكثير من الانجازات، مهما بلغ من حسن النوايا لدى منفذيها. وإذا كان كاتب مثل حسين احمد أمين يدلل في مقاله المذكور على تدهور الحياة الثقافية والانتاج الثقافي في مصر ابان عصر الثورة الأول والثاني على الأقل، فلدينا شواهد اخرى مثل كتاب «حدود التعبير» للكاتبة مارينا ستارغ، الذي دلل بالقطع على ان الرقابة على الفكر والابداع لم ترفع إلا لأشهر قليلة منذ الخمسينيات مروراً بالجزء الأول من السبعينيات. الحرية والابداع في هذا الجو من الضغط على الحريات تتعطل ملكة المبدعين في النقد، والاشارة الى مواطن الخلل، جهاراً وتصريحاً من خلال المقالة والبحث، أو تضميناً وتلميحاً من خلال الأعمال الابداعية، خوفاً أو طمعاً أو هرباً الى بر الأمان. لقد دفع مئات من المبدعين العرب كثيراً من حرياتهم، وبعضهم دفعوا حياتهم من أجل المطالبة بحرية التعبير والقول، ولايزالون يفعلون في أماكن كثيرة من عالمنا العربي. فكم عدد الذين سجنوا بسبب رواية لم تعجب السلطة أو كتاب لم يكن موافقاً لرغبة المتنفذين، وكم من أهل القلم موجودون اليوم وراء قضبان السجون العربية! حرية التعبير وتقنينها بشكل واضح وجلي هو ما ينقص الكثير من بلداننا اليوم، خاصة انها تمثل حجر الأساس من أجل تجاوز العقبات الكأداء أمامنا، فنحن نرى ان بعض الأحكام التي حكم بها على مفكرين عرب في الآونة الأخيرة تثير الحيرة وتستفز العقل، على الرغم من ان تلك الأسماء قد كتبت أو طالبت ـ بشكل سلمي ـ بادخال بعض التحسينات الضرورية على الواقع السياسي والاجتماعي في بلدانها، وإذا كانت المطالب السلمية تواجه بأحكام قاسية فإن الأفواه سوف تكمم، وألسنة النقد سيصيبها الخرس. وبالمقارنة فإن محاكم بريطانيا ـ على الجهة الأخرى ـ تبريء «السري» المطلوب من حليفتها الأولى الولايات المتحدة لعدم كفاية الأدلة، كما ان المحكمة العليا في لندن ترفض للمرة الثانية دعوى أقامها المليونير المصري المعروف رامي لكح على صحافي عربي، رغم استعانة المليونير بمكتب محاماة تعمل فيه زوجة رئيس الوزراء البريطاني! إن المقارنة بين ما يدور هنا وهناك ـ مع الأسف ـ تكشف الى أي مدى تكون الحرية المقننة هي الرديف للتقدم، والوقود الذي لا غنى عنه لقاطرة التنمية، وان غياب الحريات ـ بالمقابل ـ لا يهدر حقوق الانسان فحسب، بل ربما حدود الأوطان ايضاً. ـ رئيس المجلس الأعلى للثقافة والفنون والآداب